لمى الغلاييني

قبل ملايين السنين استطاع أحد أسلافنا تحويل عصا وحجرة إلى أدوات للحفر والصيد والعراك، وبذلك النحو أنجز الخطوة الأولى في تمكين العقل الإبداعي الذي بوسعه أن يلاحظ، ويجرب، ويركب، ويقيس، ويختبر، ويقارن، ويفكك، ويستنتج، ويتكيف مع تحديات الطبيعة، ويعني ذلك أن تلك اليدين هي التي شكلت إمكانيات العقل، فالعمل حاجة من الحاجات الروحية للإنسان، تمكنه من تحقيق الأمان النفسي عبر إمداده بشيئين أساسيين لذلك، أولهما هو الحضور في اللحظة، والآخر هو التركيز العقلي، فحين نكون بصدد إنجاز عمل يدوي بصدق وأصالة فنحن في تلك اللحظة نكون مندمجين في الحاضر الذي رغم أننا لا نملك سواه الا أننا قليلا ما نكون فيه، حيث نظل معلقين معظم الوقت بين الندم أو الحنين لماض لم يعد موجودا، والخوف أو الأمل في مستقبل لم يأت بعد، بمعنى أننا نكاد لا نكون طالما أن الكينونة لا تكون إلا في الحاضر، بينما يمثل العمل اليدوي فرصة سانحة لإعادة الذهن لآنية الواقع، فأثناء تصميم قطعة فنية أكون حاضرا، وأثناء تنفيذ عمل معماري أكون حاضرا، وبالجملة فحين أعمل بتركيز أكون حاضرا، وحين أكون حاضرا أشعر بالسكينة الروحية باعتباري ذاتا واعية تعي مفردات وجودها، أما بخصوص التركيز العقلي فالقدرة على التفكير تعني القدرة على التركيز، ذلك أن التركيز ليس بالقدرة الطبيعية، لأن العقل ميال بطبعه للسهو والشرود، لذلك تكون لحظات التركيز الذهني قليلة، متعبة، متقطعة، ورغم الجهد المطلوب تتخللها نوبات من السهو، والشرود، والجموح، والانقطاع عن الواقع، لذلك يحرص المعلمون على تدريب تلاميذهم على الأعمال اليدوية، لقناعتهم بأنها فرصة ليتمرن المتعلم على التحكم في العقل وتوجيه فكره، ولهذا يؤكد فيلسوف التربية جان جاك روسو على أن العمل اليدوي حاجة طبيعية للنمو بكل أبعاده، كما أنه يحفظ للفرد حريته واستقلاله للتأقلم مع أغلب الظروف وفي معظم الأماكن، وفي هذا الإطار كتبت الفيلسوفة سيمون فايل في كتابها «التجذر» تقول «إذا لم نرض بالموت فلن نستمتع بالحياة، وإذا لم نرض بالعمل فلن نشعر بالحياة»، فهي تؤكد على أنه حاجة روحية لتحقيق الشعور بالانتماء إلى العالم «التجذر»، وهو ضرورة للصحة النفسية كما يؤكد معظم الأطباء النفسيين، وأن مهمة عصرنا وتوجهه هو تكوين حضارة على أساس روحانية العمل، وتشجيع الشباب على إعادة تأويل فكرتهم حول العمل، ذلك أن علاقتنا بالأشياء ليست سوى علاقتنا بفكرتنا حول الأشياء، وما شقاء الروح إلا من شقاء التأويل.