نيرمين بنت فيصل القحطاني

يعتبر نسق الأسرة المحيط المباشر الذي يحدث فيه التفاعل بين الآباء والأبناء وهذا ما يطلق عليه -التنشئة الاجتماعية- فهي أولى العمليات التي باشرتها المجتمعات الإنسانية منذ القدم؛ وذلك لأهميتها البالغة في المحافظة والاستمرار على هذه المجتمعات من خلال نقلها للتراث الثقافي عبر الأجيال. أكد كل من الكين وهاندل ضرورة وجود ثلاثة شروط أساسية للتوصل إلى تنشئة اجتماعية ملائمة وصحيحة. ويتمثل الشرط الأول في الطفل فمنذ ولادته يدخل المجتمع وله قواعد ومعايير وقيم اجتماعية وحتى اتجاهات، لكن كل تلك القواعد تتغير بتغيير العمر للطفل. إذ يلاحظ أن الطفل الوليد لا يعي ولا يستوعب حجم تلك التغييرات بتاتا. الشرط الثاني الملاءمة يقال إنه الميراث البيولوجي الذي يسمح لعمليات التعليم بالحدوث، ذلك أن العقل والجهاز الهضمي والقلب النابض كلها متطلبات أساسية وضرورية من أجل التنشئة الاجتماعية. بالرغم من أهمية هذه المتطلبات وحيويتها إلا أنها كافية، لأنه عند حدوث إصابة العقل أو المخ أو الأعصاب، أو حتى شكل الأنف فكل هذه المجموعات الكبيرة من الشروط الجسمانية قد تعوق أو تؤثر في عمليات التنشئة الاجتماعية. لكن العامل الجوهري هو الشراب والنوم الذي هو أساس بقاء الكائن الحي. كما أن المزاج والذكاء عناصر أساسية بيولوجية. أما الشرط الثالث فهو الطبيعة الإنسانية وهي عوامل معينة وعالمية بين البشر. أي إنها تميز البشر في حالة مقارنتهم بالحيوانات الأخرى. إذ إن الطبيعة الإنسانية هي القدرة على القيام بدور الآخرين والشعور مثلهم أو التعامل معهم بالرموز. هذا يعطى المعنى الحقيقي للأفكار المجردة ومعرفة الكلمات والأصوات وحتى الإيماءات، فالغمز بالعين والمصافحة باليد والإيماء بالرأس كلها لها معنى ينفرد البشر بها دون باقي المخلوقات. حتى تتم عملية تكوين إعداد الشخصية الإنسانية للحياة في المجتمع على مرحلتين أساسيتين: مرحلة التهيئة أو ما تسمى (الاستعداد البيولوجي والنفسي) بحيث يصبح فيها الفرد مهيأ للعملية التالية. والمرحلة التالية هي عملية التنشئة الاجتماعية ذاتها. ومن العناصر الأساسية التي تقوم على تحقيق التنشئة: مرحلة التهيئة (تنمية القدرات الأساسية) التي تكون في حالة كمون أو قصور عند الولادة أو زرع البذور الأولى لثقة الإنسان في نفسه، وتكوين إيقاعات الحياة الأساسية التي تختلف من مجتمع لآخر بحسب المعطيات مثل الجوع والعمل والاسترخاء والنوم والأمان النفسي. كذلك تدريب الفرد على النظافة، حيث دائما يفسر دائما بأنها أصعب عمليات التهيئة لما لها من صعوبة تفهم الحالة. إذ يبرز دور الأم فهي المشرف الأول في هذه المرحلة. والمرحلة الثانية هي بداية صلب عملية التنشئة الاجتماعية حيث تعد دخول الفرد عالم العلاقات الاجتماعية المنظمة، بأقصى درجة من الوضوح مدى ضخامة وتنوع تأثير الأسرة على الفرد. طباع الفرد وشخصيته تتكون من خلال هذه المرحلة من السنة الأولى حتى السنة الرابعة من العمر، قرب الطفل من أسرته وفتح مجالات العلاقات بين الطفل ووالديه وإخوته وأقاربه المقربين الذين يتشاركون معه المنزل ذاته. كل مرحلة يخطو لها الصغير تأخذه إلى نطاق أوسع تفتح أمامه منافذ جديدة للحياة، تدفعه إلى عمليات جديدة مستمرة للتنشئة الاجتماعية. خلاصة القول، التعلم واكتساب خبرات جديدة لا تتوقف بل مستمرة حتى مراحل متقدمة من الشيخوخة المتأخرة، لكن وجب علينا التأكيد باختيار المسار الصحيح السليم الخالي من المعوقات أو حتى المساوئ. يجب التنويه بأن أي خبرة أو عملية تنشئة تكون قد أصابت البناء الأساسي، حيث تعادل مقدار إصابة الطفل بعملية التنشئة الأولى المكتسبة في سنوات العمر الأولى.

Nfalqahtani@iau.edu.sa