د. نورة عبدالله الهديب

نعم، نحن نعيش في عالم مزدحم بالعلوم والمعارف المختلفة وقد يكون أطفالنا ضحايا لهذا الازدحام.. السموم الفكرية الناتجة من قوى الشر في الإنسان والتي تهدف إلى الماديات والانحرافات بأنواعها، قد أخذت حيزا في وسط هذا الازدحام. ومن الجهل أن نلوم المدخلات المحيطة لنبرر سوء نواتج أفعالنا سواء كانت تربوية أو تعليمية أو اجتماعية وغيرها، دون أن نفكر في قدراتنا وإمكانياتنا وكيفية الاستفادة منها.

أنا وأنت وكلنا، نسعى لحياة أفضل لنا ولأطفالنا وللأجيال القادمة، فالرسالة التي يحملها الإنسان قائمة على السلام والإعمار في الوطن. لذلك، علينا أن نستوعب أن القادم المجهول يجب تسخيره بشكل يواكب رسالتنا في هذا الوطن ويتم ذلك من خلال التركيز على المعطيات التي رزقنا الله تعالى إياها.

العقل، هو أحد المعطيات وهو الذي استطاع بفضل من الله أن يسخر أدوات الزمان والمكان على حسب احتياجاته.. وفي ظل هذا الازدحام المعرفي، يبدو أن البعض منا قد اعتمد على منتجات العقول الأخرى. لذلك، تعطلت بعض العقول وأصبحت تكتفي بالاستقبال فقط دون الإنتاج.. على سبيل المثال، انغماس بعض الأطفال والمراهقين في البرامج بأنواعها دون التفكير بما هو أبعد من ذلك. شخصيا، يؤلمني أن أرى البعض من أطفالنا قد وظفوا عقولهم في أمور سطحية بعيدة عن العمق المعرفي الذي يساعدهم على بناء مستقبل مشرق لهم ولوطنهم. وأعتقد أن عدم قدرة البعض فينا على احتوائهم وتوجيههم قد جعل أهدافهم غير واضحة المعالم. ومن وجهة نظري، وجدت أن الثغرة الفكرية بين الأجيال تسببت في عدم قدرة بعض الكبار على استيعاب قدرة الصغار العالية في كيفية امتصاص عقولهم للمعرفة بالوسائل الحديثة.

ومن هنا، يجب علينا أن نركز على كيفية استخدام وظائف العقل وأدواته بشكل يتناسب مع الظروف الحالية والافتراضية مستقبلا. فلم يرزقنا الله تعالى بالعقل ليتم تهميشه، وكل الخطر إذا لم يتمكن الإنسان من استخدام عقله بشكل سليم.. التفكر أو التفكير، إحدى وظائف العقل التي يجب أن نشجع أطفالنا عليها، فالتفكير في كل معلومة بطريقة الربط والتحليل والاستنتاج يساعد على ازدياد التراكم المعرفي في عقل الطفل.. التدبر، وظيفة أخرى للعقل والذي يساعد على صقل الاستنتاج المعرفي المتراكم بشكل يجعل المعرفة النظرية مؤهلة لتوظيفها تطبيقيا.. التأمل، الذي يساعد على توسيع مدارك العقل ويعطي المعلومة أبعادا مختلفة تتجاذب مع القلب. فالتأمل، كأنه يزيد من الارتباط أو الجاذبية بين العقل والقلب أو الفكر والعاطفة.

وأخيرا، أكتفي بهذا الحد من الحديث عن العقل ووظائفه وسأسردها بشكل مفصل لاحقا بإذن الله.. وأعود مرة أخرى إلى طفل المستقبل.. كمربين ومهتمين، فنحن نسعى لأن تكون عقول أطفالنا مصانع منتجة لا مستقبلة فقط، وذلك عن طريق مساعدتهم في كيفية تحريك عقولهم بشكل فعال بالطرق التعليمية والتربوية والنقدية والاقتصادية وغيرها من المجالات التي تبني مستقبلهم وأوطانهم.

@FofKEDL