نورة إبراهيم

في ظل العزلة الجبرية التي يعيش بها العالم بلا استثناء، تصطف الأولويات وعلى قمتها حياة الإنسان وحياة أحبته أمام ناظريه، كما أن القلق يسود الأجواء ويرتكز في منتصف كل بيت، ومنتصف كل عزلة، إلا أن «غثيثي المرحلة» ومثالييها، لا يدخرون جهدا في إضافة قلق آخر وهو قلق «كيف تقضي هذه العزلة؟»، نعم.. فهم يتدخلون حتى في قضائك لعزلتك.

إذ يجب عليك على حد قولهم أن تقرأ ما لا يقل عن ١٠ كتب، أو مشاهدة ما لا يقل عن ٢٠ فيلما وثائقيا، كما أنك مطالب باستغلال هذه العزلة الطويلة بالتأمل الوجودي والفكري، وختاما بتنظيم وقتك، وإلا فأنت تهدره بالفراغ وبالتالي بالفشل وفقدان العزيمة والإرادة، والفوضى!

حري بهم، وهم مدعو المعرفة على حد تصرفهم وتقولهم أن يستوعبوا حساسية هذه العزلة تحديدا كونها «عزلة البقاء»، فهي ليست كأي عزلة أخرى، ليست كعزلة ديكارت، وليست كعزلة ابن خلدون، وبالتأكيد ليست كعزلة شوبنهاور الذي يقول «لا نكون أحرارا إلا في عزلتنا»، وفي قوله رسالة لهم، وتفسير لها، فهو يعني أن الإنسان في عزلته يكون في أقرب حالاته إلى ذاته مما يجعله يتفاعل ويتعامل وفقا لما هو عليه لا ما يطلبه ويأمل الناس منه، وقد صدق في قوله هذا صدقا عظيما، فالعزلة قرار حر، والتعامل معها قرار أكثر حرية، هذا ونحن نتحدث في الحالة العالمية الإنسانية الطبيعية، وليس في خضم الصراع مع عدو خفي قد يهجم في أي لحظة وأمام أي هفوة.

هناك تنميط للعزلة بوصفها حالة مرتبطة ارتباطا كليا ومطلقا بالإبداع، والإنتاج، والخروج حتما بفائدة عظيمة منها!، يشعرونك بأن هنالك معايير وسمات مخصصة في حال تنفيذها والحذو بها تتمكن أخيرا من التباهي بعزلتك وإن لم تفعل فعار عليك!

كل هذه المفاهيم تكونت جراء الرؤى والممارسات التنميطية الخاطئة عن الفائدة والثقافة، المستمدة أولا من مفهوم كلمة وسمات المثقف لدينا، والذي بدوره يستمدها المثقف من تصميم حياة الفلاسفة الذين يعتزلون الناس «عزلة فكرية» ليخرجوا بمؤلفاتهم وأفكارهم للناس، يجب ألا نغفل أن عزلتهم كانت طوعية في المقام الأول، ولها ظروفها الخاصة بكل فيلسوف على حدة، وبالتالي هي ليست كتيب إرشادات نتائجه واحدة يجب أن يقتنيه ويتبعه الجميع.

لا تحملوا الناس هموما فوق همومها، ولا تحددوا قيمة فوائدهم بناء على رؤاكم وطرقكم خاصة في مثل هذا الوقت، فهناك من يقضي عزلته الحالية ممسكا بكتابه ويراه حله الأمثل لتمضية الوقت، وهناك من يقضيها ممسكا بيد البلايستيشن ويراه كذلك، وهناك من يقضيها بطرق أخرى لا نعرفها، المؤكد في هذا كله أننا لسنا مخولين بتقييمها وتقويمها.

@naevius_