دعوني أطرح قولا عن عادة متبعة في بلادنا فقط من بين سكان الأرض شرقها وغربها. أعني أصول وطقوس إعداد القهوة العربية، تلك الممارسة التي عجز الغرب عن فهم كيف تدار، وماذا يقول شاربها (الضيف عادة) عندما يكتفي، ويرمز بذلك الإيحاء لمن يخدمها (الساقي).
لو قدر لكم أن تقرأوا عادات الغرب في تقديم المشاريب لما وجدتم ما يماثل تقديم القهوة للضيف.
زيادة على ما قلت فقد دخلت القهوة العربية في أدبياتنا الشعبية، فمن يقرأ قصيدة الشاعر محمد العبدالله القاضي، الشهيرة عن كيفية الإعداد سوف يقرأ فنا لا يوجد في ثقافة أخرى. وربما سبقني من لاحظ أن قصيدة القهوة للقاضي خلت من ذكر «الليفة» وهي الصفاية التي توضع في فم الدلة كي تقوم بدور «الفلتر» ! ولا تسمح بمرور «الحثال». وهي تستخرج من النخلة لهذا الغرض، وبعض الناس لا يستطعم القهوة العربية بدون أن تكون الليفة ظاهرة للرائي !. ومرة جاء ببالي في إحدى المناسبات أن أسأل «الصباب» إذا كانت الدلة تحوي ليفة ! مع أن الشاعر القاضي رحمه الله أتى على ذكر الهاون (النجر) ونوع الدلة وربما غابت عن ذهنه مفردة «الليفة».
قالوا إن أهم تقليد يجب أن يعرفه الساقي/ الصباب قديما هو ألا يعطي ظهره للجلوس، على اعتبار المجالس العربية القديمة حيث يجلس كبار القوم في رأس المجلس الذي عادة يكون مستطيلا، ومن الأعلى يتراجع الساقي إلى الخلف مبقيا وجهه نحو أعلى المجلس.
يقال إن اسم القهوة جاء من cafa وهو اسم قرية في الحبشة وشهرة البن اليمني جاءت لنا بواسطة ماركة عالمية باسم (موكا) ولم يكن ذلك إلا اسم الميناء اليمني (مخا).
في العصر العباسي الأدبي لم يهملها أبو نواس فمن شعره قال:
يا قهوة حرمت إلا على رجل + أثرى فأتلف فيها المال والنشبا.
ولا الأراذل إلا من يوقرني + من السقاة ولكن أسقني العربا.
وهوامش الدواوين تقول في الشرح إن أبا نواس يعني الخمر، لكن الغرض من الاستشهاد بالأبيات تلك هو مفردة القهوة.
من ضمن أمور هامة أخرى كان الآباء يحرصون على تعليم الأبناء الذكور عملية مباشرة الضيف، وشرح الكلام المناسب للترحيب به، ومن ذلك تدريب الابن على عملية تقديم القهوة والشاي.
أما ترون معي أن تلك المهمة عادت إلى السطح مع الوقت ونشأت على هامشها حرفة «الصبابين»، وأصبحت المسألة مهنة تتبناها مؤسسات استثمارية يلبس العامل فيها بدلة خاصة. وسمعت أن «الصبابات» وصلن إلى غرف المستشفيات حيث مناسبات الولادة لتقديم القهوة والحلوى للزوار.
binthekair@gmail.com
لو قدر لكم أن تقرأوا عادات الغرب في تقديم المشاريب لما وجدتم ما يماثل تقديم القهوة للضيف.
زيادة على ما قلت فقد دخلت القهوة العربية في أدبياتنا الشعبية، فمن يقرأ قصيدة الشاعر محمد العبدالله القاضي، الشهيرة عن كيفية الإعداد سوف يقرأ فنا لا يوجد في ثقافة أخرى. وربما سبقني من لاحظ أن قصيدة القهوة للقاضي خلت من ذكر «الليفة» وهي الصفاية التي توضع في فم الدلة كي تقوم بدور «الفلتر» ! ولا تسمح بمرور «الحثال». وهي تستخرج من النخلة لهذا الغرض، وبعض الناس لا يستطعم القهوة العربية بدون أن تكون الليفة ظاهرة للرائي !. ومرة جاء ببالي في إحدى المناسبات أن أسأل «الصباب» إذا كانت الدلة تحوي ليفة ! مع أن الشاعر القاضي رحمه الله أتى على ذكر الهاون (النجر) ونوع الدلة وربما غابت عن ذهنه مفردة «الليفة».
قالوا إن أهم تقليد يجب أن يعرفه الساقي/ الصباب قديما هو ألا يعطي ظهره للجلوس، على اعتبار المجالس العربية القديمة حيث يجلس كبار القوم في رأس المجلس الذي عادة يكون مستطيلا، ومن الأعلى يتراجع الساقي إلى الخلف مبقيا وجهه نحو أعلى المجلس.
يقال إن اسم القهوة جاء من cafa وهو اسم قرية في الحبشة وشهرة البن اليمني جاءت لنا بواسطة ماركة عالمية باسم (موكا) ولم يكن ذلك إلا اسم الميناء اليمني (مخا).
في العصر العباسي الأدبي لم يهملها أبو نواس فمن شعره قال:
يا قهوة حرمت إلا على رجل + أثرى فأتلف فيها المال والنشبا.
ولا الأراذل إلا من يوقرني + من السقاة ولكن أسقني العربا.
وهوامش الدواوين تقول في الشرح إن أبا نواس يعني الخمر، لكن الغرض من الاستشهاد بالأبيات تلك هو مفردة القهوة.
من ضمن أمور هامة أخرى كان الآباء يحرصون على تعليم الأبناء الذكور عملية مباشرة الضيف، وشرح الكلام المناسب للترحيب به، ومن ذلك تدريب الابن على عملية تقديم القهوة والشاي.
أما ترون معي أن تلك المهمة عادت إلى السطح مع الوقت ونشأت على هامشها حرفة «الصبابين»، وأصبحت المسألة مهنة تتبناها مؤسسات استثمارية يلبس العامل فيها بدلة خاصة. وسمعت أن «الصبابات» وصلن إلى غرف المستشفيات حيث مناسبات الولادة لتقديم القهوة والحلوى للزوار.
binthekair@gmail.com