سالم اليامي

بحسرة كبيرة يتساءل كثيرون في العالم وفي وطننا العربي، ماذا بقي من عراق العرب؟ العراق القوي، الذي كان يشكل أحد مرتكزات الأمن والاستقرار في المنطقة، والذي كان قادراً على دفع دفة السلام أو الحرب إلى الأمام بحركة عسكرية، أو بتصريح سياسي ينطلق من بغداد. نعم ليس كل العرب متفقين حول حب أو عدم حب تلك المرحلة ورموزها، ولكن في النهاية، العراق كان قوة، وكان لديه بوصلة تشارك بفعالية في صنع قرارات الحرب والسلام في المنطقة.

العراق اليوم يختلف كثيرا عن عراق الأمس، عراق اليوم مضى عليه حتى كتابة هذه الأسطر أزيد من ثلاثة أشهر والشوارع ملتهبة، الناس يطالبون برحيل الطبقة الحاكمة الفاسدة في الداخل، والعميلة في الغالب للخارج. العراق ومنذ بدأت بيانات الاحتكاك بالمتظاهرين تصدر تحت عنوان طرف مجهول يقوم بقتل المتظاهرين وهو في حالة موت سريري ومرهون في كتلته الأكبر سياسيا، وعقائدياً، للخارج الإيراني. بعبارة أخرى إيران اليوم تدير كل الشأن العراقي عبر كتلها وعصائبها وحشودها المنتشرة في ربوع الأرض العراقية. اليوم في العراق الناس وبصدور عارية يرددون في الشمال والجنوب والوسط في مختلف محافظات العراق: إيران برا برا بغداد صارت حرة.

هذه النغمة لا يحبها كل من يتعيش في العراق على الولاء الإيراني، ولا يحبها أهل الأهواء، الذين يرون في إيران ونظامها السياسي والقيمي نموذجا يحتذى به. رؤية الحراك المنبثق من حارات وشوارع وقرى العراق مطلبه اليوم واضح ولا لبس فيه، ويتمحور حول رحيل الطبقة السياسية الفاسدة، وسرعة تحرك الحكومة للقضاء على الفساد والمفسدين من أهل السياسة ورواد المحاصصة في كل شيء على أرض العراق. ثم المطلب الأخطر المتمثل في المطالبة بمحاكمة قتلة المتظاهرين. المؤسف والمعيب أن الكل يقول: نحن مع المتظاهرين ونؤيد مطالبهم، ومن الأبواب الخلفية يخرجون سكاكينهم، وحرابهم، وبنادق الصيد ليغتالوا الناس في الشوارع. بعثة الأمم المتحدة في العراق عبرت منذ أيام عن قلق يعتريها وهو ناتج كما قيل عن الإفراط في قتل المتظاهرين من قبل جهة مجهولة، بالإضافة إلى صرامة الإجراءات المتخذة في مواجهتهم من قبل الشرطة، والأمن. في وسط هذا البحر الهائج من التوتر تراوح مبادرات رئيس الحكومة المسمى محمد علاوي بين التقدم، والتراجع. وبحسب مختصين عراقيين، فإن أبعد ما يمكن أن يقوم به الرجل هو إعلان وزراء على دفعتين تكون الأولى مكونة من وجوه مقبولة للشارع الرافض للوجوه السابقة، ووجوه أخرى يحاول أن يرضي فيها بعض الكتل ويمتص نقمتها عليه. السؤال الذي يؤرق العراقيين اليوم وبفرض أن الرجل نجح في هذا المسعى، ماذا ستقدم هذه الحكومة للناس، وكيف ستؤثر في الشارع إيجابياً عبر امتصاص حالة الغضب الكبيرة، التي يمر بها. في العراق اليوم أصبحت ممارسة السياسة على طريقة اللعب على المكشوف، وأصبح الخارج المتحكم واضحاً، وصوته عالياً، حتى إن بعض الأطراف العميلة للخارج الإيراني تعلن صراحة، وبدون خجل، أو شعور بالعار بأنها تتبع للجانب الإيراني.

في العراق اليوم حالة إحباط كبيرة تسيطر على الناس، وتتعداهم إلى السياسيين غير المستقلين من تبعية الخارج، هناك حكومة لا يستطيع أحد على تشكيلها ووضعها لخدمة الناس، وتحقيق مصالحهم، وهناك مع شديد الأسف طبقة سياسية دينية تاريخية تلعب بخيوط السياسة والثروة، والدين لتحقيق مآرب للخارج في المقام الأول. لا يمكن اليوم لعراقي حر شريف ينتمي إلى أرض العراق وإلى عروبته، وإسلامه أن يكون مشاركا فيما يحدث اليوم، العدو اليوم واضح بحضوره المعنوي، وبرموزه السياسية والحزبية، وتشير إليه صراحة الهتافات، التي يرفعها المحتجون والتي تطالب بخروج إيران من حياة العراقيين، الهتافات ربما أصبحت واحدة، لأن الشارع اليوم متوحد عبر أرض العراق وواقف في وجه الغزاة، ومن يتبع لهم.

salemalyami@