د. فالح العجمي

من أجل استكمال ما سبق أن استعرضناه في المقالة الأولى عن فوائد السفر في توسيع أفق الأشخاص، وفهمهم لثقافات العالم الأخرى، بل وفهمهم بصورة شمولية لثقافتهم الذاتية، عندما يرونها في عيون الآخرين ويقرأونها في تلك الثقافات المختلفة، نعرض أولا لحوار الصحفية البرازيلية التي سألت الكاتب الفرنسي لوك فيري عن فائدة السفر في توسيع الأفق، وفيما إذا كان الشباب المفتولو العضلات على شاطئ كوباكابانا لا يمارسون إغواء، حتى وإن لم يغادروا منطقتهم لتوسيع أفقهم بواسطة الرحلات ومعرفة الثقافات الأخرى! حيث تقول: باسم أي شيء يمكن أن نجعلهم يتحولون عن لهوهم الممتع جدا؟ وحتى مع افتراض العثور على إجابة كيف نقنعهم بمغادرة الشاطئ والألعاب، ليستغرقوا في قراءة هوميروس، أو يعملوا على توسيع أفقهم بالقيام بعدد من الرحلات، فهل ثمة طريقة أخرى غير تلك التي تركز على الجانب الفكري؟

يقول الكاتب الفرنسي: فكرتُ في الإجابة التي كان سيقدمها دون شك هوميروس، هو وهوغو: ليس بوسع أي امرأة أن تعيش مدة طويلة مع طفل مدلّل، لا يعرف شيئا، ولا يوجد عنده شيء ليرويه. فلو كان يافعا وجميلا جدا لوضعته في السرير مثلما كانت تفعل الحوريات مع رفاق عوليس. فهو يتفوق على هؤلاء الشباب الأثرياء والأقوياء أيضا، المتمتعين بهيئة جميلة وعضلات مفتولة، ليس بالدهاء والقوة فقط، لكن بإغواء الرجل الكامل أيضا، بسحر كان هو مصدره، أوجدته رحلاته وتجاربه، وما كان يجيد من الأفعال نتيجة الخبرة الواسعة، وهو ما لا يوجد عند غيره إلا نادرا. وكل تلك المعايشة تعد شرطا ضروريا لبلوغ هذه الإنسانية، التي بوسعها هي أن تجعل من الإنسان كائنا متفردا فعليا، وهي وحدها التي تجعله ساحرا ومحبا ومحبوبا أيضا.

لماذا ترتبط هاتان العمليتان (توسيع الأفق من جهة، والتفرّد من جهة أخرى) بعضهما ببعض، وتشكلان بطريقة حتمية مصدرين للألم والسعادة؟ هناك في المناقشات الجمالية حول الفن ومعايير التذوق شيء قد يربك المرء في البداية، لكن فيلسوف التنوير ايمانويل كانط كان قد فهمه بامتياز، وأوضح أنه يرتبط بالتناقضات التي نغرق فيها مباشرة. فمن جهة هناك المثل الشهير القائل «إن لكل شخص ذوقه»، أو الجملة الأكثر صراحة بهذا الشأن التي تفرض نفسها بصورة طبيعية بأن «الأذواق والألوان ليست محلا للنقاش». فمن المعتاد جدا القول إن الذوق شأن ذاتي خالص، حتى إنه لا يتعين علينا مناقشته. وعلى الرغم من ذلك نحن لا نكف عن الحديث عنه لدرجة أننا نتشاجر حين نعبر عن رأينا بشأن مسرحية، أو كتاب، أو فيلم أو موسيقى، أو معرض قد يحبه أحدهم ولا يعني آخر بشيء. وهذا يوحي أن أصحاب الفكر الضيق يحدوهم الأمل في تقديم البرهان بمعناه الحرفي على أن آراءهم أو ميولهم هي الأصوب في محاولة الإقناع في كل شيء، دون استيعاب أنهم بصدد مجال ذاتي وأنه ليس ثمة إمكان للبرهنة الفعلية عليه. فالأمور الجمالية، وما يثير الإعجاب، سيعرف من تحصل على نماذج واسعة من الخبرات في ذهنه أنه من العبث الإقناع بها أو حتى تبرير الاندفاع إلى أحد الخيارات فيها. ومثل ذلك ينطبق على النقاشات الأيديولوجية، التي لا تخضع لمنطق متفق عليه؛ بل إن المبدأ الرئيس فيها أن ما أقتنع به هو الصحيح!.

@falehajmi