سكينة المشيخص

لا يُتصور بالضرورة أن يأتي الرئيس التركي بسلام في سوريا أو المنطقة وهو يبذل كل جهده لمزيد من إشعال الحرائق تحت غطاء البحث عن أمن بلاده القومي، وهي حجة لا يمكن قبولها لأنه لم يعتد أحد على تركيا أو حتى وصلتها شظية من شظايا الصراع في سوريا، لذلك يصبح هذا الرجل بعيدا عن أن يكون جزءا من أي سلام في سوريا أو المنطقة.

ما يحدث حاليا في إدلب يؤكد انكشاف موقفه السياسي والعسكري، في وقت يتزايد فيه الضحايا وعمليات النزوح، وتحقق كارثة إنسانية كاملة الأركان ينبغي مساءلته عليها، وذلك يحدث في وقت يخالف فيه متطلبات اتفاقية سوشي مع الجانب الروسي؛ ما ينذر بخلاف واختلاف مع روسيا وحينها لن يبقى له ما يراهن عليه في هذا الصراع.

بشكل أو بآخر هو يستفز السيادة السورية ويدخل الجيش السوري في معارك مفروضة عليه، وبغض النظر عن أي رأي حول دور هذا الجيش ونتائجه الإنسانية، فالطبيعي أنه حين يهاجمه طرف خارجي أن يعمل على مقاتلته، وذلك ما دفعه إليه الرئيس التركي ليرفع من وتيرة تهديد الأمن الإقليمي والدولي بكل حماقة.

صب الزيت على النار ليس سلوكا حكيما، وما يفعله رئيس تركيا هو زيادة نطاق الحريق الذي يعني مزيدا من الضحايا، وأكثر من مليون نازح في هذه الظروف الطبيعية القاسية التي يبدو أنه اختارها ليزيد من معاناة الأبرياء الذين يصعب على المنظمات الإنسانية مساعدة كل هذه الأعداد الهائلة من النازحين، خاصة أن حلب أيضا دخلت مرمى النيران.

هناك أسئلة كثيرة حول سلوك الرئيس التركي سياسيا وعسكريا وأمنيا، وهي جميعها تلتقي في تعكيره للأمن الإقليمي وزيادة مدى الصراع، فسوريا التي أنهكتها الحرب دولٌ سنواتٍ لن تكون بذات القوة التي يمكنها أن تواجهه، وهو الذي ظل يتفرج على الكارثة والمأساة طوال تلك الفترة والآن يريد أن ينقض عليها كفريسة سهلة الاصطياد.

كل هذه المطامع لا يمكن أن تتحقق لأنها مكشوفة وهناك كثير من العوامل التي تمنع تحققها، وببساطة لا يمكن استعادة التجربة العثمانية بكل مساوئها على الطريقة الأردوغانية لأنها إعادة إنتاج لكل أزمة وصراع ونزاع، وذلك أمر تجاوزه الزمن والتاريخ، والمطلوب الآن الاسترخاء والبقاء داخل الحدود الوطنية، ففيها كثير من المتاعب التي ينبغي عدم تصديرها بمثل هذه الأعمال التي لا تتفق مع الأعراف والقواعد الدبلوماسية وقوانين الأمم المتحدة.

إذا استمرت تركيا على هذا النهج فإنها تتجه للغرق في المستنقع السوري، ولن تخرج منه إلا وهي خاسرة ومعها خسائر إنسانية كثيرة في جانب سوريا والأكراد والداخل التركي، ما يتطلب تدخلا عاجلا من الأمم المتحدة ومجلس الأمن والمنظمات الحقوقية والإنسانية؛ لكشف نيات وتوجهات الرئيس التركي الذي دخل النطاق الأحمر لجرائم الحرب.

ليس هناك ما يمكن أن يزايد عليه الرئيس التركي في هذه الحرب التي أقحم نفسه فيها، وأنتجت كوارث إضافية لما كانت عليه من الصراع السوري الداخلي، ويجب العمل على إيقاف تهورات تركيا وتأزيمها للموقف والحالة السورية التي لا تنقصها مثل هذه الأفعال القبيحة، فكل نازح ومشرد ولاجئ إنما هو مسؤولية عمليات الرئيس التركي العسكرية في الداخل السوري، حيث أدخل نفسه في ورطة ومأزق لم يكن له ما يبرره بحسب المنطق، وإنما هي أهداف أخرى لا علاقة لها بأمن سوريا أو حدوده؛ لذلك فليبع بضاعته الكاسدة بعيدا عن بلد مأزوم ويبحث عن أمنه وسلامه في المنصات الدولية.

@sukinameshekhis