في ربيع عام 1975م وفي إحدى حلقاته الدراسية الأسبوعية، تنبأ أستاذي الأمريكي المشرف على دراستي بمرحلة الدكتوراة المستر جو ينكلز، بأن العالم في عام ألفين سيصبح خماسي الأقطاب. سيكون حينئذ أمريكا والاتحاد السوفيتي وأوروبا والصين والعرب. ومن جوابه على سؤالي: كيف سيكون العرب قطبا وجوديا (من الوجود). قال: بما يمتلكون من تاريخ، وبشبابهم الذين يطلبون العلم في أمريكا وأوروبا والهند وغيرها من الأقطار، هؤلاء سيعودون إلى بلادهم بأنقى العلوم وبأحسن الخبرات والعادات في مجتمعات دراستهم. على كل حال لم تتحقق نبوءته. تفكك الاتحاد السوفيتي، وأوروبا لا تزال تابعة لأمريكا، والصين تنازع على موقع زعامة العالم، والعرب ما زالوا متفرقين، وبأحسن العبارات تفاؤلا ما زالوا يطلبون العلم.
وفي اجتماع عشاء لدى زميلنا الأستاذ الدكتور علي أبو بكر لبعض الطلبة السعوديين في جامعة شمالي كالورادو من نفس العام 1975م دار بيننا نقاش حول مصير عالمنا العربي وحول العالم، تنبأت بسقوط الاتحاد السوفيتي في أقل من خمسين عاما، وأن أمريكا بولاياتها (بحكوماتها) الخمسين ستدوم. كانت نبوءتي مكان استهجان، ولكنني عززتها بأن كثيرا من الحقوق الأساسية للمواطن السوفيتي مسلوبة أو ممنوعة، ومنها حرية الرأي، بينما يتمتع نظيره الأمريكي بحقوق كثيرة واضحة يكفلها الدستور، ومنها حرية الرأي. ما انقضى القرن إلا وقد تفكك الاتحاد السوفيتي واستقلت أمريكا بقطبية العالم.
بعد هذه المقدمة المملة، هل تبقى للعرب مساحة أو مكان على قمة العالم في قرننا هذا الحادي والعشرين؟ سؤال صعب ويخفف من صعوبته عمق وصلابة تاريخنا. ولكن هذا العمق والصلابة لا يعززها إلا (وحدة الهدف والأداء) بين المسلمين. ولا يقوم الهدف وحسن الأداء إلا على (العلم) الذي يتسع لنهضة إسلامية شاملة. وهذا العلم لا ينتج ولا يبدع إلا بـ (معاصرة لإبداعات) التقنية، وهذه المعاصرة لا يجعلها سلوكا حضاريا مستداما إلا (المشاركة الفاعلة) في الصناعات التقنية.
المعطيات السابقة عمق وصلابة التاريخ، وحدة الهدف والأداء، والعلم والنهضة، ومعاصرة التقنية والمشاركة في إبداعاتها، لا تقوم ولا تدوم إلا على أيدي مواطنين يعمر الإخلاص قلوبهم، ويتوج الصدق أمانيهم، ويعيشون مع الآخر في كوكبهم الأرضي باحترام لهم ولحقوقهم المشروعة.
يتميز القرن الحالي بسرعة الأحداث. أمريكا تتسيد العالم بما تمتلكه من قوة صناعية وزراعية وعسكرية، والصين تجري لاهثة لتنافس أمريكا. وتكاد هاتان الدولتان أن تستحوذا على مواقع السيادة في العالم. ولكننا إذا نظرنا إلى المستقبل أو إلى ما تبقى من زمن القرن الحادي والعشرين فإننا وبتفاؤل تدعمه المخزونات الطبيعية وعدد السكان والتوق إلى المستقبل نجد أن المنافس الأقوى الواحد لهاتين الدولتين هو: (العالم الإسلامي).
يتمتع المسلمون بتاريخ محفز للتفوق في مجال الصناعة والزراعة والتقنية. إذا كان عدد سكان أمريكا والصين يبلغ أكثر من مليار وسبعمائة مليون، فإن المسلمين يتجاوز عددهم مليارا وثمانمائة مليون نسمة.
والبلاد الإسلامية تزخر بالثروات الطبيعية المخزونة داخل الأرض، وفي بعضها بوادر نهضة صناعية وزراعية وخاصة في مصر وماليزيا والسعودية وتركيا والإمارات العربية وأندونيسيا. والجامعات في ديار المسلمين كثيرة وبعضها يتنافس علميا وبحثيا مع جامعات غربية وآسيوية عريقة. ولعل هذه المقدرات البشرية والاقتصادية والعلمية إذا توحدت تحقق للمسلمين مكانة متقدمة في دنيا القرار الدولي.
هذه مني أمنية وكأنها نبوءة. ولكنها. ولكنها لن تتحقق إلا بالشعور لدى كل شعب ولدى كل زعيم مسلم بأن الأمة الإسلامية بأقطارها العديدة كل لا يتجزأ، وأن الأمة الإسلامية جسم واحد إذا شعر بالحمى تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. إن الطريق إلى التقدم والرقي يستدعي الرفق والمودة بين الشعوب. إن ما نراه في العراق وسوريا وليبيا ما هو إلا هدم لبناء الوحدة الإسلامية. والوحدة ليست بين الحدود الجغرافية ولكنها وحدة بين العقول والقلوب.
ولعلي هنا أضرب مثلا بما قامت وتقوم به المملكة العربية السعودية من عمل دؤوب نحو تحقيق التضامن الإسلامي والحرص على مصالح الشعوب الإسلامية. إنها عضو مؤسس في جامعة الدول لعربية ومقرها القاهرة، وعضو مؤسس في منظمة التعاون الإسلامي ومقرها مدينة جدة. وعضو مؤسس في التحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب ومقره الرياض، وأقامت مركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز العالمي للحوار بين أتباع الأديان والثقافات ومقره النمسا. وتخصص المملكة أكبر قدر من موازنتها السنوية للتعليم والبحث العلمي وللصحة العامة وهي خدمات مجانية للجميع.
وتجري بالمملكة حاليا عملية نهضة شاملة تعزز المواطنة وتؤسس لنهضة إسلامية شاملة. وإذا اعتمدنا مثل هذه المبادئ فإننا سنقيم اتحاد تعاون إسلامي معاصرا يعتمد على العلم،
وعلى كرامة المواطن وعلى الأخوة الإنسانية بين الشعوب. وحقا فإن مقولة شاعري أحمد شوقي رحمه الله «فالملك غرس وتجديد وبنيان» تنطبق علينا في البلاد السعودية شعبا وحكومة.
المسلمون قوة كونية عظمى هي أمنية، أرجو الله أن يعين المسلمين على تحقيقها.
وفي اجتماع عشاء لدى زميلنا الأستاذ الدكتور علي أبو بكر لبعض الطلبة السعوديين في جامعة شمالي كالورادو من نفس العام 1975م دار بيننا نقاش حول مصير عالمنا العربي وحول العالم، تنبأت بسقوط الاتحاد السوفيتي في أقل من خمسين عاما، وأن أمريكا بولاياتها (بحكوماتها) الخمسين ستدوم. كانت نبوءتي مكان استهجان، ولكنني عززتها بأن كثيرا من الحقوق الأساسية للمواطن السوفيتي مسلوبة أو ممنوعة، ومنها حرية الرأي، بينما يتمتع نظيره الأمريكي بحقوق كثيرة واضحة يكفلها الدستور، ومنها حرية الرأي. ما انقضى القرن إلا وقد تفكك الاتحاد السوفيتي واستقلت أمريكا بقطبية العالم.
بعد هذه المقدمة المملة، هل تبقى للعرب مساحة أو مكان على قمة العالم في قرننا هذا الحادي والعشرين؟ سؤال صعب ويخفف من صعوبته عمق وصلابة تاريخنا. ولكن هذا العمق والصلابة لا يعززها إلا (وحدة الهدف والأداء) بين المسلمين. ولا يقوم الهدف وحسن الأداء إلا على (العلم) الذي يتسع لنهضة إسلامية شاملة. وهذا العلم لا ينتج ولا يبدع إلا بـ (معاصرة لإبداعات) التقنية، وهذه المعاصرة لا يجعلها سلوكا حضاريا مستداما إلا (المشاركة الفاعلة) في الصناعات التقنية.
المعطيات السابقة عمق وصلابة التاريخ، وحدة الهدف والأداء، والعلم والنهضة، ومعاصرة التقنية والمشاركة في إبداعاتها، لا تقوم ولا تدوم إلا على أيدي مواطنين يعمر الإخلاص قلوبهم، ويتوج الصدق أمانيهم، ويعيشون مع الآخر في كوكبهم الأرضي باحترام لهم ولحقوقهم المشروعة.
يتميز القرن الحالي بسرعة الأحداث. أمريكا تتسيد العالم بما تمتلكه من قوة صناعية وزراعية وعسكرية، والصين تجري لاهثة لتنافس أمريكا. وتكاد هاتان الدولتان أن تستحوذا على مواقع السيادة في العالم. ولكننا إذا نظرنا إلى المستقبل أو إلى ما تبقى من زمن القرن الحادي والعشرين فإننا وبتفاؤل تدعمه المخزونات الطبيعية وعدد السكان والتوق إلى المستقبل نجد أن المنافس الأقوى الواحد لهاتين الدولتين هو: (العالم الإسلامي).
يتمتع المسلمون بتاريخ محفز للتفوق في مجال الصناعة والزراعة والتقنية. إذا كان عدد سكان أمريكا والصين يبلغ أكثر من مليار وسبعمائة مليون، فإن المسلمين يتجاوز عددهم مليارا وثمانمائة مليون نسمة.
والبلاد الإسلامية تزخر بالثروات الطبيعية المخزونة داخل الأرض، وفي بعضها بوادر نهضة صناعية وزراعية وخاصة في مصر وماليزيا والسعودية وتركيا والإمارات العربية وأندونيسيا. والجامعات في ديار المسلمين كثيرة وبعضها يتنافس علميا وبحثيا مع جامعات غربية وآسيوية عريقة. ولعل هذه المقدرات البشرية والاقتصادية والعلمية إذا توحدت تحقق للمسلمين مكانة متقدمة في دنيا القرار الدولي.
هذه مني أمنية وكأنها نبوءة. ولكنها. ولكنها لن تتحقق إلا بالشعور لدى كل شعب ولدى كل زعيم مسلم بأن الأمة الإسلامية بأقطارها العديدة كل لا يتجزأ، وأن الأمة الإسلامية جسم واحد إذا شعر بالحمى تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. إن الطريق إلى التقدم والرقي يستدعي الرفق والمودة بين الشعوب. إن ما نراه في العراق وسوريا وليبيا ما هو إلا هدم لبناء الوحدة الإسلامية. والوحدة ليست بين الحدود الجغرافية ولكنها وحدة بين العقول والقلوب.
ولعلي هنا أضرب مثلا بما قامت وتقوم به المملكة العربية السعودية من عمل دؤوب نحو تحقيق التضامن الإسلامي والحرص على مصالح الشعوب الإسلامية. إنها عضو مؤسس في جامعة الدول لعربية ومقرها القاهرة، وعضو مؤسس في منظمة التعاون الإسلامي ومقرها مدينة جدة. وعضو مؤسس في التحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب ومقره الرياض، وأقامت مركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز العالمي للحوار بين أتباع الأديان والثقافات ومقره النمسا. وتخصص المملكة أكبر قدر من موازنتها السنوية للتعليم والبحث العلمي وللصحة العامة وهي خدمات مجانية للجميع.
وتجري بالمملكة حاليا عملية نهضة شاملة تعزز المواطنة وتؤسس لنهضة إسلامية شاملة. وإذا اعتمدنا مثل هذه المبادئ فإننا سنقيم اتحاد تعاون إسلامي معاصرا يعتمد على العلم،
وعلى كرامة المواطن وعلى الأخوة الإنسانية بين الشعوب. وحقا فإن مقولة شاعري أحمد شوقي رحمه الله «فالملك غرس وتجديد وبنيان» تنطبق علينا في البلاد السعودية شعبا وحكومة.
المسلمون قوة كونية عظمى هي أمنية، أرجو الله أن يعين المسلمين على تحقيقها.