د. يعن الله الغامدي

إذا كان الزواج فطرة إنسانية ونعمة إلهية تحفظ الحرث والنسل، ففيه تحقيق لكثير من العبادات والقربات ورفض لكل المحرمات والمنكرات؛ لأن الأسرة نواة المجتمع إذا أثمرت تحت قبة المودة والرحمة وداخل إطار الطهارة والعفة.

ومن المعروف أن ديننا الحنيف حث على الزواج ونهى عن التبتل، وجعله تاج الفضيلة ووسام الرجولة، ولذلك فهو لا يستقيم في اللغة ولا في الشرع عندما نسميه عقد نكاح، وإنما هو ميثاق غليظ -كما سماه الله عز وجل- لأجلها فهي لا تأخذ منك مكافأة نظير ما تقدمه لك ولا لأولادك وبيتك، بل تعمل ذلك بكل حب وطيبة وبأزكى علاقة وبأسخى متابعة، جنبا إلى جنب تلبي مطالبك وتنظف مسكنك وتربي أبناءك وتطبخ للجميع...

وكلما استمرت تلك المغامرة الضرورية وارتبطت بالعلاقة الحميمية التي لا تخلو من تشوهات، توثقت العلاقة وازدان التكيف مع ذلك الشريك الجديد، وإلا فخلف الأبواب ووراء تلك الجدران بدايات صعبة لو خير لأحدهما العودة للوراء لما اختار ذلك الشريك الذي يعيش معه ولا تمناه، ولكن كلما امتدت حبال الزمن واتسعت دائرة المودة بينهما تراهم يتذكرون لحظات أفراحهم وابتساماتهم ومواقف انكسارهم ودموعهم، في لوحة جدار ذلك الزمن الذي أدار لهم كتفيه تارة ومد لهم ذراعيه تارة وتارة!

إن امتداد ذلك الزمن بأيامه ولياليه وتعلق أحدهما بالآخر؛ ليساعد في قدرة قلوب الرجال وطاقة قلوب النساء في استيعاب تلاقح الأرواح قبل تلاقح الأفكار، إلى أن يصل الطرفان إلى درجة أن أحدهما لا يمكن الاستغناء له عن الآخر وخاصة كلما زاد بهم العمر بعيدا عن القناعات السيادية والقوانين الاجتماعية.

لقد كان في الماضي تقاسم الأدوار وتحمل المسؤوليات ليس بالأمر السهل، علما بأن المرأة حينها لم تكن بعاطلة مع شؤون البيت وسمو تربية الأطفال وهو الرقي في حد ذاته، وإن كانت اليوم قد تغيرت النظرة واختلف التفكير، مما جعل بعض مراحل الزواج لدينا يمر بصعوبات قد يكون لبعضها سبب من أسباب ارتفاع نسبة معدلات الطلاق. وكلما ارتفع سقف العشرة فإن الزوجة هي الوحيدة التي تحتمل طباعك وتقرأ أفكارك، ولن يفهم ذلك الإحساس ويحتوي تلك المشاعر إلا من فقد زوجته -عظم الله أجره- لأن خسارتها حينذاك تكون من أكبر التجارب المؤلمة كلما كان في سن متقدمة، وهذه الحالة لا يتعداها إلا الرجال الأقوياء. وصحيح أن الأعمار بيد الله بكل تأكيد، ولكن أغلب الإحصاءات العلمية تؤكد أن الأزواج يموتون قبل الزوجات بسنوات، وفي دراسة إيطالية أثبتت أن المرأة بعد موت شريك حياتها ورفيق دربها تقل عليها الضغوط وتخف عنها المعاناة، وقد تتكيف مع حالتها بكل يسر وسهولة، وعلى النقيض من ذلك كشفت لنا تلك الدراسة أن الذين يفقدون زوجاتهم بعد عمر طويل تتدهور صحتهم وتزيد معاناتهم إن استسلموا لذلك، باعتبار أن الزوجة هي التي كانت توفر مطالبه وتلبي رغباته، فإن قبض الموت روحها فكأنما قبض روحه؛ لأنه يراها حلقة الوصل في عملية التوازن التي تتناغم بين عدم هضم حقوقه وبين عدم هدر حقوق أبنائه صغارا كانوا أو كبارا، وهو تفريق اختصاص لا تفريق انتقاص.

وللإنصاف فإن الزوج غالبا في أسرته هو ربان السفينة الذي يقودها إلى بر الأمان، بخلاف كل أولئك الذين شوهوا صورة الزواج بأخرى أو الذين بالغوا بالتثريب عند زواجه بالثانية، فالعقلاء وحدهم يعلمون أن زواجه بأخرى لا يقلل أبدا من وفائه لها، كما أن زواجها هي بآخر بعد فقده أيضا لا يعد خيانة كلما سمحت الظروف وشاءت الأقدار ولكل قاعدة شواذ!.

@yan1433