فلوة الزهراني

(أبو العريف) «ما يقول أنا غلطان»، لا يكاد يخلو مجلس أو طرح أو محتوى إلا وتجده مثل الحجر (عثرة طريق) فهو خبير الشؤون الأدبية والفنية والنسائية والعالمية، وهو الزول الألمعي الذكي والعبقري الفطن والمفتي والداهية والمتلصص والمتقمص والمنتقد والأديب والمتطفل أينما بعث.

ومع حلول ظاهرة الانتقاد وكل من يتبنى فكرا يساوي آلاف الأفكار المطروحة، خرجت لنا عدة تساؤلات تتوارى خلف كل انتقاد عابر جراء هذه الشخصية المتحذلقة.

لماذا ينتقدنا الآخرون؟ ولماذا ينصب البعض من أنفسهم قضاة علينا ومحامين عن أعدائنا؟، لماذا البعض ليسوا إلا إمعة حروب وانتقام لا دعاة سلم؟، ليس ذلك فحسب بل لماذا نجد البعض ينصب من نفسه مكبر «انتقادات» على الآخرين؟ كمن يمتهن «الفضيحة لجلب المديحة» وهلم جرا.

هناك صنوف من الدخلاء والمدافعين تحت مسمى منتقدي حق (على هيئة دروع بشرية) في سلوك لا سوي إذ إنهم يتخذون الإذعان سبيلا لإفراغ الغريزة العدوانية، كنوع من التعزيز السلبي عوضا عن تقدير الذات المفقود لديهم، فلا استطاع البعض أن يدحروا مدهم ويتحرروا من سيل انتقاداتهم، ولا حاولوا النهوض حتى، ومن هنا يأتي تعريف الانتقاد هو أداة لاذعة، يتم من خلالها قتل الإبداع وسحق الجهود والنيل من الآخرين بلا هوداة، بهدف تدميرهم أو تشتيتهم نفسيا.

في مواقع التواصل ثلة من الخصوم تستعين بـ «العصا والحصا» لتصعد الحروب عبر قدح وشتم وتشكيك، المهم أن تثار الثائرات وتحتدم الصراعات، من يكسب الموقف والبقاء للأقوى، ولكم أن تتخيلوا حين يحط من قدر الآخرين نكاية بهم فالدافع يكون الكره والغيرة والحسد، فمهما كلفهم الثمن أدوارا ومسلسلات لا تنتهي بطوق نجاة، حينها ينتصر الصراع وتموت حمامة السلام.

إن النقد أسلوب ثقافي فكري عميق لا بد وأن يحذر كل من يحذو هذا المسلك، وأن يتمتع بجانب نفسي سوي عن اللا سوي.. حتى لا يخرج علينا «منتقد» يشوه الاجتهادات والمحتوى الهادف إلى ساحة اقتتال وفوضى ونزاعات عارمة ليبرز من خلالها عضلاته المفتولة، مع الأخذ في الاعتبار أن المنتقد هو شخصية مندفعة مغرورة، لا تتورع عن كشف عيوب الآخرين ولا تتحرى الأسلوب الحسن لكسب محبة الناس.

ومن حيل المنتقد المتذاكي أنه يسعى إلى أن يرتدي جلباب الناقد الموقر، وهو مبطن بالانتقاد واللؤم، فيلجأ لاستخدام أسلوب الإسقاط أو بمعنى آخر استخدام الحيل الدفاعية لإلجام الكتاب والمثقفين. وهنا شتان بين الناقد والمنتقد، حيث الناقد يهدف إلى النقد البناء، الذي يعنى بتطوير الأشخاص ودفعهم للنجاح دون تجريح أو تهميش أو تنقيص من حجمهم.

والمنتقد أو النقدة، في لغة أهل المجالس.. لديهم سمة‬⁩ ذميمة المراوغة، باستخدام أسلوب الفهلوة اللغوية والعقلية وتشخيص المنقود عليه من «ساسه إلى رأسه». وقد تجدهم عند بعض العوائل مفرق الجماعات، وما من شأنهم إلا أن يحدثوا هالة أو ضجيجا لتحرك مكامن ضعفهم إلى قوى بالغة الأثر.

وعلى غرار ذلك، ظهرت فئة من «النقادين أو المنتقدين» في صورة (نقاد أدبيين) هم في أمس الحاجة إلى دورات مكثفة ليفرقوا بين ⁧الناقد‬⁩ و⁧‫المنتقد بصورة صحيحة دون خلط، بل إن بعضهم أخذتهم العزة بالإثم ووقعوا في مصيدة أخطائهم وهم غير مرخصين في هذا الشأن، إلا أن العلامة الفارقة التي تميز المنتقد عن الناقد هي ضياع السبيل إلى الحكمة وعدم التبصر في القول. ‬

يجب أن ندرك الحقيقة المرة حول كيفية التعامل مع آراء المنتقدين والمعادية لنجاحاتنا، وأن نتصدى لكل ما يحبط من همتنا ويثقل من عزيمتنا ويفقدنا الصواب والإصرار نحو التقدم والإنتاجية؛ لنصل بالهدف إلى الغاية التي ينبغي أن نسعى إليها، فلقد باتت ظاهرة المنتقد في الحرب الباردة على الكتاب والمثقفين أشبه بحالة انفعالية، نتيجة التخبط الذاتي والسلوك القائم على الأنانية واحتقار الآخر، وهذا يفرض علينا أن تكون معرفتنا بأنفسنا أصدق إيمانا ويقينا بقدراتنا من «إسقاطات منتقد».

في قاموس المنتقد لا تجد للكلمة الحلوة أثرا ولا عطرا طيبا أينما يحل. في قاموس المنتقد خبرات سلبية جراء معاناة داخلية. في قاموس المنتقد (الكم المعرفي) محور اللعبة، فكل من حوى في وعائه (كمًّا معرفيًّا) قال «أنا أخبر وأنا ناقد وأنا أعلم من غيري»، وتناسى أن حب الكمال غاية لا تدرك، وأن الجميع يسعى للمثالية دون رغبة منهم في التعرض للانتقادات اللاذعة وغير المنصفة، نعم نحن لسنا في حاجة للمنتقد المتصيد للأخطاء، بل للناقد المعلم والمصحح اللبق والموجه للتقويم والتحسين.

إن المنتقد يتصيد الزلات البيضاء بهدف إظهار السلبيات، فلا نأبه بما يدور حولنا، هي مجرد إسقاطات يرمي بها على الآخرين (كحبة مهدئة) هدفها التخفيف من الإحباطات والأزمات النفسية (وتروية الأعصاب).

ختاما.. عزيزي المنتقد المتوقد.. هاجم الفكرة بأسلحتك (المشروعة) ولا ضير عليك، لكن حذارِ أن تتعرض «لشخص» صاحبها، وتأمل جيدا هذا السطر.. (لا فائدة من تجزئة العبارة وتحليلها عندما تكون صحيحة المعنى.)