حسين الحمود

«فقط عندما تقرر الخروج من منطقة الراحة التي تعيشها ستعرف من أنت» كلنا نعيش هذه المنطقة ونخاف من الخروج منها، فهي شرنقة الحياة الرتيبة «بيت - عمل - عائلة - أصدقاء - بيت»، وهذا للأسف واقع أكثر من 85 % من الناس حول العالم، فحس المغامرة الذي كان يعيشه الأجداد تبدد مع الزمن مع ظهور الشركات الحديثة برواتبها المغرية وطرق معيشتها الفارهة.

لن ألوم الحظ الذي جعلنا نعتمد على الوافد في كل شيء «تقريبا» في حياتنا، فالسباك من دولة والكهربائي من دولة وعامل البناء من دولة، والمواطن في دولته لا يملك إلا أن يبعثر أمواله لإصلاح أشياء بسيطة جدا «خوفا من الفشل في الإصلاح أو إفحال المشكلة بدل حلها» معتمدين على مبدأ «اخرج ما في الجيب يأتيك ما في الغيب».

أما في هذه المرحلة من حياتنا ومع مواكبة رؤية المملكة 2030 فنحن نعيش عصرا جديدا ومختلفا ينبئ بعودة الجيل الشاب لمهن الأجداد كـ «رواد أعمال وتجار وأصحاب مهن» بأساليب العصر الحديث، وهذا بحد ذاته مفرح وينبئ بعودة السعودي لمكانه الصحيح في سوق العمل الكبير والمتخم بجراح «اليونيفورم» والأمان الوظيفي «الرائع نفسيا والمعدوم حسابيا».

التوجه العام الذي تقوم به الوزارات والهيئات الحكومية يصب في مصلحة رواد الأعمال الجدد القادمين بقوة على الساحة المحلية والإقليمية «وإن تجاوز البعض للعالمية ولكن يبقون محسوبين على أصابع اليد الواحدة» من خلال المبادرات الحكومية الداعمة لهذه المرحلة البراقة من تاريخ المملكة ولكن يبقى التطور ملحوظا ومتسارعا، والدليل القفزات النوعية التي تحصلت عليها المملكة في التقييم العالمي لبيئات الاستثمار، ولكن يبقى الهم الأكبر لرائد الأعمال العيش بين وردية الأحلام التي لن تتحقق «لأن الحالم يكون نائما في العادة» وسوداوية الشغف «الذي واقعا لا يؤتي لقمة عيش سهلة».

دعونا نتفق بأن بناء قاعدة النظام الإيكولوجي لريادة الأعمال (Entrepreneurship Ecosystem) يبدأ في العادة من خلال تجمعات رواد الأعمال أنفسهم، فيبدأون بصياغة عهود ومواثيق بينهم فيما يخص المنافسة والمشاركة والاتحاد، ومن خلال هذه التجمعات وهذه الاتفاقات يبدأ المشرع بدراسة معمقة للسوق، وبنظرة شمولية أكبر يستطيع من خلالها العمل على وضع النظم والقوانين والتنظيمات الخاصة بسوق العمل «بناء جدران الحماية للنظام الإيكولوجي»، وما يحصل في سوقنا الكبير مترامي الأطراف العكس تماما فبدأنا ببناء هذه الجدران قبل صب القواعد.

سأختم مقالي بمثال بسيط عن قرار أضر برواد الأعمال وجعلهم يعيشون «سوداوية الحلم» و «وردية الشغف»، تساوي أسعار رخصة العامل الوافد للمنشآت الصغيرة والمتوسطة مع الشركات الكبيرة أضر بالكثير من صغار المستثمرين، الذين ما صدقنا أنهم تركوا منطقة الراحة بملء إرادتهم ليقفل رائد الأعمال الجديد منشأته خلال أشهر إلى سنة من الافتتاح، ويعود عاطلا يبحث عن وظيفة من جديد بعد أن كان قادرا على خلق الوظائف في المستقبل القريب... إلى متى سننظر بعين التساوي ما بين صغار المستثمرين وكبارهم؟.

@hkhamoud