سالم اليامي

منذ أن نشأت الأزمة الليبية ونحن نسمع أصواتا من الداخل الليبي تردد أن العالم بجناحيه الإقليمي والدولي، قد أعطى ظهره للمشكلة المعقدة في ليبيا، وإن بقي هناك شيء من الاهتمام فلعله اهتمام بنفط البلاد وأموالها التي يسيل لها اللعاب من الجميع. إلى أن تغير الوضع قليلا مع توقيع اتفاقية ترسيم الحدود البحرية، والتعاون بين ليبيا المتمثلة فيما يعرف بحكومة الوفاق، التي يقال إنها الجسم السياسي الليبي الوحيد المعترف به دوليا، والطرف الآخر الحكومة التركية. هذه الاتفاقية -التي تظهر وبشكل جلي الفرق بين الوزن النوعي لكل طرف، تركيا دولة كبيرة، وقوة إقليمية، ولديها شهية كبيرة للتوسع والتمدد، وجني مزيد من المكاسب التكتيكية، والإستراتيجية في محيط تنظر إليه على أنه كيانات متفرقة لا يملك أي منها القوة القادرة على مقارعة تركيا التي تريد أن تصل إلى الملعب الليبي قبل الفرقاء الإقليميين، والدوليين، الذين لا يخفون أن لهم مصالح حيوية تستحق الدفاع عنها- أثارت في البداية الداخل الليبي حيث بدأت أطراف ليبية رفض ذلك الاتفاق، بالإضافة إلى رد الجيش الوطني الليبي الذي لم يعترف بكل ما جرى، وسعى منذ اللحظات الأولى لتطويق ومحاربة الميليشيات التابعة للوفاق. الطرح السابق في مجمله يوفر لنا تصورا عاما لمجمل الأمور، وإلى أين تسير، في الداخل الليبي، وفِي الجوار الضيق، ثم على مستوى الفاعلين الدوليين، الذين يملكون كثيرا من الأدوات السياسية، والاقتصادية، والمعلوماتية، التي يمكنها التأثير على مواقف الأطراف الليبية الداخلية.

الدائرة الثانية التي تتحرك فيها المسألة الليبية هي دائرة القوى الإقليمية، وهذه القوى لها مواقفها المتمايزة، والمتباينة إلى حدٍ ما. خاصة عندما نتطرق إلى العلاقة مع الاتحاد الأوروبي، ونتفحص مواقف دوله، ومن ذلك وبشكل واضح الموقف الإيطالي مما يحدث في ليبيا، ومن الاتفاقية التركية مع حكومة الوفاق، والتي عبر عنها السيد وزير الخارجية الإيطالي لو يجي دي مايو بصراحة عندما وصف الأوضاع في ليبيا بعد الاتفاق مع تركيا بأنها تشبه إلى حد كبير الأوضاع في سوريا، وأن هناك سعيا لأطراف معينة مرتبطة بالأزمة الليبية لدفع الأمور إلى استنساخ الحالة السورية.

الأمر الإيجابي إلى حد ما هو أن الاتحاد الأوروبي وجه كل الأطراف في ليبيا إلى وقف كل الأعمال العسكرية، واستئناف الحوار السياسي. الأطراف الداخلية في ليبيا فشلت في بلورة موقف موحد من كل ما يحدث، ولعل هذا الفشل كان أحد الأسباب التي تجلب إشكاليات التدخل في الشأن الليبي إما بالحماية، أو بما يشبه السيطرة على مقدرات الليبيين، المهم في مثل هذا القول، هو كيف سيطبق على الأرض، ومن هي الجهة التي ستنفذه. لذا حدد الأوروبيون موعدا جديدا في برلين يلتقي فيه كل الطيف السياسي والعسكري الليبي، بالإضافة إلى ضرورة حضور القوى الإقليمية التي لها تأثير تقليدي على الأطراف الليبية، أي أنه سيكون هناك مساران نظريا الأول ليبي -ليبي. والثاني ليبي مع دول الجوار الإقليمي المتضررة من هذه الاتفاقية، جزء من أهمية مؤتمر برلين أنه يعيد شيئا من الاهتمام الدولي والإقليمي إلى مشكلة عجز الليبيون عن التعامل معها بصورة واعية. دول الجوار التي أعلنت بشكل مباشر وصريح تضررها من الاتفاق التركي مع حكومة الوفاق في مقدمتها الحكومة المصرية، وقبرص، واليونان، كل هذه الدول يجري بينها تواصل جاد، بشأن ترتيب الوضع فيما بينها؛ لتعطيل الجانب الأمني من الاتفاق مع تركيا. مؤتمر برلين الموعود يعول عليه كثيرا؛ كونه الإجراء الأكثر جدية فيما يحدث اليوم في المنطقة، ومع ذلك سيبقى مرهونا بتوافق الداخل الليبي، وتفاهم المحيط الإقليمي، وهذه خطوات صعبة في هذا الوقت بالذات، يضاف إلى ذلك التحدي، والصلف التركي الذي لا أحد يعلم مداه، أو وجهته القادمة.

salemalyami@