محمد حمد الصويغ

وصف المسرح بأنه أبو الفنون هو وصف لا يجانبه الخطأ، ونجاح المسرحية أو فشلها يتجلى آنيا من خلال إعجاب النظارة بالعرض أو عدم إعجابهم به، ولا شك أن المسرح السعودي بدأ يخطو نحو الذيوع والانتشار بسرعة هائلة شدت انتباه النقاد إليه وسلطت الأضواء على العديد من المسرحيات السعودية المتألقة، وها هو يكتسب أرضا جديدة من خلال العروض التي يقدمها على خشبات المسارح العربية، ومن المسرحيات المشهودة التي لاقت نجاحا ملفتا للأنظار مسرحية «النعش» التي عرضت مؤخرا بملتقى القاهرة الدولي الجامعي، وهو كسب جديد يضاف إلى مكاسب عديدة حققها المسرح السعودي خلال السنوات القليلة المنفرطة بما يؤكد بجلاء أن هذا المسرح الواعد سوف يحقق الكثير من الإنجازات الباهرة خلال الآماد الحالية والقادمة.

مسرحية «النعش» التي ساهمت بها المملكة في ذلك الملتقى بمشاركة 63 عرضا مسرحيا من مختلف دول العالم لاقت نجاحا باهرا للغاية، وكانت المسرحية قبل العرض الأخير عرضت في «سوق عكاظ» وفعاليات «الجنادرية» ومهرجان الجامعات السعودية وحصدت العديد من الجوائز المحلية والخليجية، وبهذه المسرحية وغيرها من المسرحيات السعودية يتحقق الموقع الحقيقي والمتحرك للمسرح السعودي، حيث وصل بمختلف فعالياته إلى مستويات المنافسة مع المسارح العربية والدولية، وأظن أن المشروعات المسرحية المقبلة سوف تحقق الكثير من النجاحات وفقا لما تحقق من إنجازات مشهودة داخل المملكة وخارجها، وهذا ما يشاهد على أرض الواقع.

وتمثل مسرحية «النعش» تجربة جديدة في عالم المسرح السعودي، وقد قوبلت بحفاوة بالغة من لدن النظارة ومن لدن النقاد المسرحيين، ويمكن تلخيصها بظهور مجموعة من الموتى الذين ينتظرون دفنهم، وقد بلغ بهم الضجر منتهاه حينما لم يجدوا من يقوم بمهمة الدفن فخرجوا من نعوشهم للبحث عن إنسان حي يتولى دفنهم، وقد فشلوا في مهمة البحث فأخذوا يتبادلون حوارا ماتعا حول قيام أحدهم بدفن المجموعة، ورغم غرابة الفكرة ورمزيتها إلا أنها تحمل مسارا جديدا من مسارات الكتابة المسرحية، حيث أسبغ عليها كاتبها غلافا كوميديا تمكن معه من تخفيف صدمة الفكرة على المتلقين.

ورغم غرابة الفكرة إلا أن المسرحية تميزت بتنوع شخصياتها وهو أمر شد انتباه النظارة إلى طروحات جديدة، فثمة أفكار منتقاة وأخيلة لم يسبق طرحها في أي عمل مسرحي، وقد برزت مواهب المخرج بطريقة واضحة تجلت في التلقين واختيار المقاطع الغنائية المصاحبة للمسرحية وكثرة التوابيت على خشبة المسرح، وقد أدى ذلك كله إلى خلق مساحات من الطرح لم تكن معهودة في المسارح العربية من قبل، وبهذا العرض الجيد فإن المسرح السعودي يكتسب أرضا جديدة لاسيما أن الكتاب والمخرجين والممثلين يتمتعون اليوم بخبرات متنوعة ظهرت من خلال مشاركاتهم الفاعلة في المهرجانات العربية المختلفة.

تلك الخبرات المتنوعة أدت إلى التنبؤ من قبل العديد من النقاد المسرحيين بدور حيوي ومهم وفاعل سوف يلعبه المسرح السعودي في المستقبل المنظور، فثمة جهود حثيثة تبذل من قبل المعنيين بصناعة ذلك المسرح انعكست تلقائيا على الخطوات المتخذة لبلورة أبعاد رؤية المملكة 2030 والبعد المسرحي هو أحدها كمنفذ ثقافي مهم حرصت الرؤية على طرحه ضمن التوجهات الثقافية التي تحمل حراكا متجددا ليس لصناعة اقتصاد جديد ومتغير فحسب، بل لصناعة ثقافة جديدة ومتغيرة أيضا يقف المسرح على رأس أولوياتها.

mhsuwaigh98@hotmail.com