كلمة اليوم

يبدو أن الأتراك قارئ نصف جيد لتاريخ الدولة العثمانية، فمن الواضح أنهم ينتشيون كلما وضع قدم أحد قادتهم (زائرًا) في أرض كان يحكمها أسلافهم لفترة من الزمن، دون أن يتوقف عند أسلوب وطبيعة ذلك الحكم، ومدى رضا أو رفض تلك المجتمعات، التي فرضت السلطة العثمانية إرادتها عليها، أو أنه على الأقل لا يريد أن يتذكر، أو يتوقف عند تلك المحطات المفزعة في أجزاء كثيرة من تاريخ دولة بني عثمان، لكن المؤكد أن العثمانيين ومنذ أن أوصد الاتحاد الأوروبي أبوابه دونهم، ودون مطامحهم في أن يأخذوا العضوية الكاملة، بدأوا مجددًا في تقليب دفاترهم القديمة، وربما كان أقربها إلى نفسهم كتب التاريخ التي كتبها مؤرخون أتراك، أو مَنْ ترتبط مصالحهم مع الدولة التركية، فأصبح طرق هذا الباب -باب حلم الخلافة-، الذي من الواضح أنه بدأ يراودهم بشكل لم يعودوا معه قادرين على إخفائه في قرارة أنفسهم، أو التكتم عليه، خاصةً بعدما فتحتْ الأزمة السورية أبواب أحلام اليقظة لتمتد يدهم إلى الداخل السوري، وعينهم ربما على حقول النفط في الشرق السوري، لتتلاقى الأحلام، وتستعيد صورة السلطان مجددًا، وبشكل لم يعد يقبل التأويل، حيث بدأتْ السياسة التركية تبتعد شيئًا فشيئًا عن تحالفها مع الولايات المتحدة الأمريكية، بعدما وقّعت بعض اتفاقات التسليح مع موسكو، لتمد يدها باتجاه السواحل الجنوبية للأبيض المتوسط، وتحديدًا عبر التدخل السافر في الشؤون الليبية، مما يشي بانفجارات لا تحمد عقباها، وقد تشكل نتيجة الأطماع التركية امتدادًا للاحتلال العثماني للبلاد الليبية ابتداءً من العام 1551م، الذي امتد لفترات طويلة، عانى خلالها الشعب الليبي من القتل والتدمير ونهب الثروات، حيث يسعى الأتراك لاستعادة أدوار أسلافهم باحتلال ليبيا من جديد عبر الاتفاق مع بعض الأطراف الليبية من ذوي التوجهات الإخوانية ليجدوا لأنفسهم موطئ قدم آخر، يعزز نشوة أحلام الخلافة، التي هي في واقع الأمر ليست أكثر من غوايةٍ تجر بها المنطقة بأسرها إلى مزيد من الدمار، والفتن، فمهما توهّم الأتراك أن التاريخ يعيد نفسه، فإن الواقع يقول إننا أمام عالم مختلف ما عاد يقبل بسياسات وضع اليد، فضلًا عن يقظة الشعوب، التي قرأتْ التاريخ جيدًا، واستوعبتْ دروسه.

article@alyaum.com