كما ذكر وهو محق الدكتور مأمون فندي في مقاله الذي عنونه بـ«ثورتان في لبنان» والذي نشر في جريدة الشرق الأوسط يوم الإثنين الماضي (28 أكتوبر 2019) أن لبنان لا يشهد ثورة واحدة بل ثورتين «ضد الدولة اللبنانية بين بيروت والجبل، وضد دولة «حزب الله» من الجنوب إلى الضاحية. دولتان في حاجة إلى ثورتين، لا ثورة واحدة». وأعتقد ان الثورة الحقيقية في لبنان تكمن داخل المجتمع الشيعي الذي قرر الانتفاض على الثنائية الشيعية لأول مرّة منذ عقود، فهذا الحشد الكبيرُ للمتظاهرين في المناطق الشِّيعيّةِ والسبُّ العلنيُّ ضد حسن نصر الله ونبيه بري بين الشيعة لم يسبق له مثيل. حيث وصل المحتجون الشيعة إلى معاقل الحزب الرئيسية في الجنوب اللبناني، وتم استهداف مكتب النائب محمد رعد، رئيس «كتلة الوفاء للمقاومة» الممثلة لحزب الله في مجلس النواب، وهم يهتفون: الشعب يريد إسقاط النظام. وفي الليلة نفسها، اقتحم متظاهرون آخرون، مكتب النائب هاني قبيسي، عضو المكتب السياسي لحركة «أمل» التي يتزعمها رئيس مجلس النواب نبيه بري، ومسؤولها السياسي في الجنوب اللبناني. كذلك عمد آخرون إلى التوجه نحو منزل النائب عن حركة أمل أيضاً، ياسين جابر في النبطية، حيث أحرقوا يافطة تحمل اسمه.
وقد امتدت المظاهرات إلى النبطية وقبل ذلك مدينة صور في الجنوب، التي شهدت احتجاجات منذ انطلاقة الاحتجاجات في الشارع، وهم يحملون الأعلام اللبنانية، مرددين الشعارات نفسها التي رددها اللبنانيون في سائر أنحاء لبنان، «كلن يعني كلن». وتعتبر مدينة النبطية أحد معاقل حزب الله بل بمثابة المركز في الجنوب تماماً كجارتها مدينة صور معقل حركة أمل. وبالتالي فمناطق الجنوب تحررت من الولاءات الطائفية التي فرضت عليها وكسرت الحواجز بين المناطق التي بنتها تلك الأحزاب وولدت الكراهية والخوف. فلما انطلقت الاحتجاجات في النبطية وجّهت معظم ساحات الاحتجاجات في لبنان تحية إلى مدينة النبطية ونظّموا وقفات تضامن معهم الذين كسروا الصمت والحواجز. لماذا لأن الهم واحد والوجع واحد ولم تتميز منطقة عن أخرى بسبب انتمائها الطائفي. فالنبطية بالرغم من الكثافة السكانية والنسبة العالية من الشباب المتعلم إلا أنها تعاني مثل باقي المناطق من البطالة والحرمان في التغذية الكهربائية والماء، والبنى التحتية، إضافة إلى مشكلة النفايات من عام 1992 التي لم تجد لها البلديات المتعاقبة أي حلّ، حتى باتت اليوم تعاني، إضافة إلى مشكلة النفايات، من مشكلة الجرذان المنتشرة. ومدينة صور أيضا تعاني نفس المشاكل من الفقر والبطالة ومشاكل البنية التحتية والخدمات.
فحزب الله هذا الكيان السياسي والعسكري والاجتماعي والذي كان يتمتع بقاعدة جماهيرية ونفوذ كبير في لبنان بدعم من إيران فقد كثيرا من شعبيته، بسبب زيف شعاراته وإدخال لبنان في صراعات إقليمية تنفيذا للمشروع الإيراني على حساب المصلحة الوطنية اللبنانية، حيث حول بيروت إلى بوابة ينقل الحرس الثوري وفيلق القدس الأسلحة والإمدادات الأيديولوجية والنفوذ إلى عمق الأراضي العربية لضرب الاستقرار السياسي والسلم الاجتماعي. فقد على أثرها أي تعاطف شعبي حتى داخل بيئته. حتى إن الغضب امتد إلى المنتمين إلى الحزب نفسه، بسبب رزم العقوبات المتتالية عليه واستبعاده من النظام المالي المحلي والدولي، والعمل على تجفيف منابعه المالية وبدأوا يشعرون بوقع العقوبات عليهم لجهة «تضييق» عملياتهم المصرفية، أو العمل على تسريحهم من وظائفهم. فالحزب لم يعد قادرا على توفير ما كان يستطيع توفيره لهم في السابق، ونتيجة لذلك زاد الفساد المالي بين رموز الأحزاب الشيعية.
وأخيرا بغض النظر عن نتائج هذه الاحتجاجات إلا أن حاجز الخوف انكسر والخطوط الحمراء تم تخطيها داخل المجتمع الشيعي، وهناك بوادر لإرهاصات عقد اجتماعي جديد بدأ يظهر على المواطنين الشيعة. فالمحتجون في المناطق الشيعية في لبنان اتحدوا مع إخوانهم في باقي المناطق الأخرى، وأوصلوا رسالة للقادة السياسيين أن من يتعاون ويحمي الفاسد فهو فاسد مثله ويجب إزالته أيا كان وإن لبنان أكبر من الجميع.