فهد السلمان



بطّلتُ التدخين عشرات أو ربما مئات المرات، لكن كلها في الغالب كانت كزيجات «الشحرورة» مُددًا وعددًا، إذ سرعان ما أعود إليه، باستثناء مرتين جادتين كلاهما نتيجة عارض صحي يدخلني العناية المشددة، لأنقطع عنه في المرة الأولى عامين إلا قليلًا، وفي الثانية إلى الآن حيث تجاوزت عامي الخامس بفضل الله بلا تدخين، وهنا بالتحديد يجب أن أتذكّر الروائي الأمريكي «مارك توين»، والذي وصف بسخريته المعروفة الإقلاع عن التدخين بقوله: «إنه من أسهل الأمور.. شخصيًا أقلعتُ عنه مئات المرات!!». بدأتُ التدخين في وقت مبكر للأسف، قبل أن يخطّ شاربي، وقبل أن أتزوج، ويبدو أنه حينما تُحكم كيمياء العلاقة بين المدخن والسيجارة قبضتها، لا يعود بوسعنا تقدير حجم الخسائر، ولا الأذى الذي قد نسببه للآخرين، خاصة حين تروّض العادة كل الحواس، وعلى رأسها حاسة الشم للتواطؤ معها لإغلاق ملف سلبياتها، والتوقف فقط عند تلك الهواجس التي هي من صنع المدخنين وتوهماتهم باعتباره جزءا من الوجاهة، أو «غذاء الفلاسفة» كما وصفه جان بول سارتر، أو ربطه زورًا وبهتانًا بالثقافة والمثقفين حسب تفسير ريتشارد كلاين في كتابه «وجاهة السيجارة» حين قال إنها: «تحمل متناقضات سافرة، لكنها متجاوزة، فهي أداة قاتلة لإيقاع القلب، معطلة للحواس، إلا أنها وسيلة للتركيز في العملية الإبداعية لدى البعض»، وهو وهمٌ شرّير تورّط فيه معظم المدخنين دون أن يفحصوه أو يختبروه، ربما من باب تسويغ ما يفعلونه لأنفسهم.

كنتُ أدخن وأطفالي بجواري دون أن أشعر بأي ذنب، ولم أكن أقدّر حجم الأذى الذي أقلّه الاختناق برائحة التبغ خاصة في سيارةٍ مغلقة النوافذ، وأنا أنقلهم إلى مدارسهم في صباحات الشتاء الباردة المكتظة ببخار الماء، إلى أن أهدتني السيجارة أولى هداياها القاتلة «جلطة في القلب» لمرتين، لأكتشف بعد انقطاعي عن التدخين، كم هو مؤذٍ حد الاختناق أن تُجبر على أن تستنشق رائحة الدخان في مكان مغلق، وحين عدتُ إليه في المرة الثانية امتنعتُ عنه فقط في الأماكن المغلقة، إلى أن أكرمتني السيجارة «بهديتها الثانية»، لألعن في سرّي الهنود الحمر الذين بدأوا هذه العادة بمناخرهم، وشركات السجائر، وسفير فرنسا في البرتغال «جون نيكوت» الذي نشر التبغ، وسُمّي النيكوتين باسمه على ذمة «حنين الأحمر» لأوقف علاقتي بالدخان إلى الأبد إن أراد المولى، حتى أنني أصبحتُ كلما شاهدتُ من يمجّ سيجارته في سيارته ومعه أطفاله تمنيتُ لو أنني أوقفته وانتزعتها من فمه ودسستها في أذنه، حتى وإن بدا ذلك وكأنه تصرّفٌ «هتلري»، فليكن على سبيل التحية للزعيم النازي أودلف هتلر الذي كان هو أول من ناهض التدخين عام 1912م حين منعه في المدارس والجامعات والمستشفيات، وأسس مركزًا لمحاربته.