د. شلاش الضبعان

ذكر ابن عبد ربه الأندلسي في العقد الفريد أن الإمام علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- رأى رجلاً يسأل في عرفات فقنعه بالسوط، وقال: ويلك! أفي مثل هذا اليوم تسأل أحداً غير الله؟!

وقال شُريح القاضي: مَنْ سأل حاجة فقد عرض نفسه على الرق، فإن قضاها المسؤول استعبده بها، وإن ردّه عنها رجع كلاهما ذليلاً: هذا بذُل البخل، وذاك بذُلّ الرد.

ومع أن هذا تاريخنا، فقد أصبحنا نرى أناساً في واقعنا اليوم -وبعضهم عليه القيمة- يستجدون كل شيء وأي شيء حتى لو كان ما يستجدونه أمراً يستطيعون عمله، ولكنهم استمرأوا السؤال حتى ظنوه أمراً طبيعياً فصار علامة بارزة له!

في مواقع التواصل الاجتماعي يطلب! وعندما يرى المقتدر مادياً أول ما يتبادر لذهنه كيف يتحايل عليه ليطلب منه! وإن ذهب لمؤسسة لابد أن يتصل ويطلب حتى لو كان وضعه نظامياً، وإذا كُلف بعمل بحث عن أقرب زميل ليطلب منه عمله، وإذا سمع عن مناسبة استمات حتى يُدعى لها، فإن لم يكن بدأ في أسطوانة «ليش ما عزمتوني؟».

مشكلة هؤلاء أنهم يبيعون كرامتهم، التي هي من أعز ما يملكون، ويعيشون في قلق دائم ما هي الطريقة الأمثل لإراقة ماء وجوههم، وفي رق دائم من أجل قضايا لو بذل فيها أحدهم أقل الجهد لم يحتج لأحد!

أعتقد أن مشروع العزة يبدأ من البيت بأن يُربى الأبناء على عزة النفس والاعتماد على الله وعدم التطلع لما في أيدي الناس، بل يعودون على بذل جهدهم ليكونوا يدا عليا لا سفلى، وبألا نتساهل مع هؤلاء فننفذ لهم كل ما يطلبون بحثاً عن رضاهم، فالمشاهد أنهم لن يرضوا مهما قُدّم لهم، والأهم أن يُوجهوا كما وجه رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- «لأن يحتطب أحدكم على ظهره خيرٌ له من أن يسأل أحداً فيعطيه أو يمنعه».

ومع ذلك سيحتاج الإنسان لإخوانه، فالناس للناس والكل بالله، وشرفٌ لمَنْ يقوم بخدمة إخوانه فهو عز في الدنيا وفوزٌ في الآخرة، ولكن كلما حفظ الإنسان ماء وجهه فهو أكمل وأجمل وأعز وخير أمر يتركه لأولاده بعد رحيله، فقد عاش عزيزا ومات عزيزاً.