الأساطير التي أقصدها هنا ليست القصص الخرافية بالمفهوم الشعبي للكلمة، بل الفكرة التي تهيمن على مخيلة الشعوب، أو الأفراد الذين لا يمحصون ما يسمعونه من مقولات، أو يُخضعونه للتجربة والمساءلة. وهذه الهيمنة سائدة للأسف ليس فقط في بلدان العالم المتخلف فحسب، بل أيضا في كثير من الثقافات التي تصنع مثل هذه الأساطير عن ثقافات أخرى أو شعوب وبلدان مجاورة أو بعيدة، أو حتى عن فئات معينة داخل المجتمع. وعادة تضخها بعض ما يسمى وسائل التثقيف في المجتمع من منصات إعلامية أو أمثال وكليشيهات تنتشر بين من يتأثرون بها بسرعة، ويسلمون بصحتها دون تردد أو تشكيك. ومما يؤسف له، أن ضرر مثل هذه الأساطير لا يتوقف على اضطراب في منطقية التفكير فحسب، بل يصيب أيضا المجتمع الذي تسود فيه تلك الأساطير بقوة بأمراض اجتماعية ونفسية من التفكير المشوّه والكراهية والانعزال والتشكك في الآخرين بدرجات متفاوتة حسب مصادرها ومناطق انتشارها.
سأبدأ بذكر مثال من تلك الأساطير التي لا أخفيكم سرا أني قد تأثرت بها، وإن كان ذلك بدرجة أقل من المتوسط. تتعلق هذه الحالة برحلتي الأخيرة إلى المكسيك وبعض بلدان أمريكا الجنوبية، فقد كنت أسمع أن الأمن فيها معدوم، وأن خطر تعرض الغريب فيها إلى جريمة سلب أو اعتداء مرتفعة جدا، وتكاد تكون مؤكدة لكل من يجرؤ على الذهاب إليها دون حماية أو برفقة أحد من أبناء البلد، خاصة عندما يكون المرء -كما هي حالتي- في زيارة طويلة إليها وبمفرده. ذهبت إليها رغم سماعي من كل المصادر تلك التحذيرات، ولم أكن متحفظا أيضا خلال وجودي فيها في الخروج والمشي بمفردي في كل الأوقات، بما في ذلك أوقات الليل. ولم ألحظ أي حالة شك في أحد أو مجموعة في الشارع أو الأماكن التي قمت بزيارتها، بل إنهم كانوا أقرب إلى الطبيعة السلمية والمهادنة من مدن بعض البلدان المتقدمة. ربما ساعدني في ذلك كوني أتحدث معهم بلغتهم، لكن لو كانت نسبة الإجرام مرتفعة، كما تشير تلك الأساطير المهيمنة عندنا وفي كثير من دول العالم، لما كان هذا سببا للسلامة على الأقل من التحرشات ممن لا أتحدث معهم. وعند عودتي من تلك الرحلة التي استمرت شهرين إلى أوروبا، كانت ردة فعل الأوروبيين الذين تحدثت معهم مباشرة: وهل كانت آمنة؟ مما يدل على أن انتشار هذه الأسطورة ليس خاصا بمنطقتنا فحسب، وحتى عندما ذكرت لأحد الأوروبيين عدم صحة هذه الفكرة، استأنف بطريقة أخرى: ربما يكون ذلك خاصا بالمناطق الحدودية مع الولايات المتحدة الأمريكية.
وفي الواقع إن آثار هيمنة هذه الأساطير ليست خاصة بالشعوب أو الثقافات الأخرى، بل أيضا تسود عن كل آخر حتى داخل العائلة الواحدة. ففي كثير من المجتمعات توجد لدى الرجال، والعكس صحيح، صورة نمطية عن النساء، تأخذ بلب من يخضع لها، وتقولب طريقة تفكيره، بحيث يفسر كل ما يمكن قد حدث عرضا داخل العائلة، بأنه يعود إلى تلك الصفة لدى النساء (أو الرجال في حالة المرأة). وبالتالي فهي قضية محسومة، وأن عليه (أو عليها) أن يتقبل الوضع بأن هذه حقيقة قائمة، أو أن يتعامل مع ذلك الشر المؤكد قبل أن يستشري، ويصبح علاجه صعبا، وقبوله أصعب.
سأبدأ بذكر مثال من تلك الأساطير التي لا أخفيكم سرا أني قد تأثرت بها، وإن كان ذلك بدرجة أقل من المتوسط. تتعلق هذه الحالة برحلتي الأخيرة إلى المكسيك وبعض بلدان أمريكا الجنوبية، فقد كنت أسمع أن الأمن فيها معدوم، وأن خطر تعرض الغريب فيها إلى جريمة سلب أو اعتداء مرتفعة جدا، وتكاد تكون مؤكدة لكل من يجرؤ على الذهاب إليها دون حماية أو برفقة أحد من أبناء البلد، خاصة عندما يكون المرء -كما هي حالتي- في زيارة طويلة إليها وبمفرده. ذهبت إليها رغم سماعي من كل المصادر تلك التحذيرات، ولم أكن متحفظا أيضا خلال وجودي فيها في الخروج والمشي بمفردي في كل الأوقات، بما في ذلك أوقات الليل. ولم ألحظ أي حالة شك في أحد أو مجموعة في الشارع أو الأماكن التي قمت بزيارتها، بل إنهم كانوا أقرب إلى الطبيعة السلمية والمهادنة من مدن بعض البلدان المتقدمة. ربما ساعدني في ذلك كوني أتحدث معهم بلغتهم، لكن لو كانت نسبة الإجرام مرتفعة، كما تشير تلك الأساطير المهيمنة عندنا وفي كثير من دول العالم، لما كان هذا سببا للسلامة على الأقل من التحرشات ممن لا أتحدث معهم. وعند عودتي من تلك الرحلة التي استمرت شهرين إلى أوروبا، كانت ردة فعل الأوروبيين الذين تحدثت معهم مباشرة: وهل كانت آمنة؟ مما يدل على أن انتشار هذه الأسطورة ليس خاصا بمنطقتنا فحسب، وحتى عندما ذكرت لأحد الأوروبيين عدم صحة هذه الفكرة، استأنف بطريقة أخرى: ربما يكون ذلك خاصا بالمناطق الحدودية مع الولايات المتحدة الأمريكية.
وفي الواقع إن آثار هيمنة هذه الأساطير ليست خاصة بالشعوب أو الثقافات الأخرى، بل أيضا تسود عن كل آخر حتى داخل العائلة الواحدة. ففي كثير من المجتمعات توجد لدى الرجال، والعكس صحيح، صورة نمطية عن النساء، تأخذ بلب من يخضع لها، وتقولب طريقة تفكيره، بحيث يفسر كل ما يمكن قد حدث عرضا داخل العائلة، بأنه يعود إلى تلك الصفة لدى النساء (أو الرجال في حالة المرأة). وبالتالي فهي قضية محسومة، وأن عليه (أو عليها) أن يتقبل الوضع بأن هذه حقيقة قائمة، أو أن يتعامل مع ذلك الشر المؤكد قبل أن يستشري، ويصبح علاجه صعبا، وقبوله أصعب.