* ما زلت أذكر نصّا ورد في أحد المقررات الدراسية بطفولتي يقول: (زرعوا فأكلنا ونزرع فيأكلون). هل اختفى وتوقف مدلول فلسفته؟ كان التعليم يعزز، والتربية تبذر في نفوس الناشئة حب الشجرة والبيئة. هي مقولة تمثل محور كل عمل ونشاط وإبداع وإنجاز في شتى مناحي الحياة. مع فلسفتها نجد أن لكل كلمة مدلولا يمثل محورا تتحرك الأجيال في مجاله.
* عندما نقول: (نزرع).. فهذا يتطلب جهدا وعلما، ودراية بالزرع أيا كان نوعه. حتى الكلمة الطيبة زرع نؤجر عليه. خلف كل عمل تعب وبذل ومتابعة. حتى تنجح المقاصد لابد وأن تكون خلفها رؤية وإستراتيجية، خطط وبرامج، بعيدا عن الاجتهادات، وضربة الحظ، وكلمات وأعمال (الهياط).
* بيئتنا في معظم أجزائها جافة ونادرة الماء، لكنها قابلة لتجديد الحياة، وللنمو المستدام. المهم أن تكون هناك بداية، تستند على الإنسان بوعيه، وإيمانه بما يعمل ويفعل من أجل تنمية هذه البيئة، حيث الحرب على جفافها، في البداية الأمر لا يتعدى زرع شجرة.
* الأجيال ترث النجاح، والغنى، والكرامة، والهمّة، والانتصارات. وترث أيضا الفشل، والفقر، والخنوع، والانكسار، والهزائم. هذا يعني أنها بحاجة إلى من يرسم دربها البيئي السليم. وهناك الحلقة الأقوى، وهناك الحلقة الأضعف في كل شيء. إذا سادت الحلقة الأقوى فهذا يعطي نتائج إيجابية، فهي تزرع الخير والبركة لمستقبل البيئة.
* بالاهتمام تنمو البيئة، وفي غيابه تموت حتى المشاريع البيئية العملاقة وتتلاشى أهدافها. ولنا عبرة في مشروع حجز الرمال بمحافظة الأحساء، حيث أخذ العالم بزمام المبادرة السعودية، التي تأسست عام (1961م/1381هـ)، فاتخذها قدوة وأساسا لبناء وعيه، وانطلاقته لمحاربة التصحر.
* مبادرتنا جاءت في وقت مبكر، مع قلة الموارد والإمكانيات. لكنها جاءت في ظل طفرة همّة الإنسان السعودي، ورغبته في أن يكون الأفضل بإنجازاته وطموحاته. ثروته تتلخص في تطلعاته. فجاء مشروع وقف زحف الرمال، وذلك لزراعة (10) ملايين شجرة لصالح البيئة.
* اليوم أتساءل أين هذا المشروع البيئي الوطني الأهداف والتطلعات؟ أين ذهب تاريخه؟ لماذا انتهى وكيف؟ أين رجاله وخبراتهم التراكمية؟ لماذا تم هدم تطلعاته وأهدافه وإنجازاته؟ هذا المشروع خير مثال على أن هناك من زرع، ثم جاء من أوقف الزرع وأنهى استمراره. المعيب أن دولة (الصين) اليوم أصبحت قدوة لنا في محاربة التصحر.
* عمى العقول هو الأكثر إيلاما وضررا. فهل هذا ما تعرض له مشروع حجز الرمال؟ مؤسف توقف عجلة مشاريع بيئية كانت خاضعة لدراسة جدوى وعطاء. لم تكن نتاج اجتهادات عشوائية. كان مشروع حجز الرمال يحقق الخطوة المحسوبة، والهدف الواضح. تأسس على قواعد علمية تراعي الموارد الطبيعية وإمكانياتها. كان يقودها الإنسان السعودي، فكرة وتنفيذا وعملا وعناية. كان المشروع رغبة جامحة لخدمة الأجيال. لم يؤسس ليحقق مصالح للبعض أو مصالح مؤقتة. وأرجو ألا يكون هذا السبب خلف تعطيله.
* التشجير علم بدأناه على مستوى العالم، ثم قضينا عليه. وحاليا يموت شجر غابات العرعر واقفا، وبشكل جماعي، ولا يحرك هذا ساكنا لدى الجهات المعنية. ولكن هل تتحرك الوزارة ذات العلاقة لصالح عمل الروابط الخضراء ومساندتها لصالح الأجيال القادمة. هل نفي العلاقة بنشاطها مؤشر لضمها لمصير مشروع حجز الرمال؟