فهد السلمان

مثلما تدخلت السيارات ذات يوم في تخطيط المدن، وفرضت عليها المزيد من المساحات للشوارع، تقتحم السوشيال ميديا اليوم منظومة القيم الاجتماعية لتفرض عليها بنفس القوة والدرجة المزيد من المساحات لاستيعاب هذه المتغيرات الجديدة، وربما ساهمت أيضا في شطب بعض عناصرها، وتحجيم البعض الآخر، إلى حد التنكب تماما لما لا يتواءم معها، وهي عملية ليست اختيارية كما يبدو لأنها سيرورة لمعطيات «اقتحامية» مدعومة بقوة الدفع الخارجي الذي يجعل العالم كله في مساحة شاشة جوال، وعلى مسافة ضغطة زر، وبالتالي لا سبيل للتوقف لفرزها أو التعامل معها وفق مزاجنا المحلي، لأنها ليست عملية بيع سلعة كما يقول المفكر العربي علي الوردي، لنختار منها ما يلائمنا.

هذه حقيقة. منظومة قيمنا التي بنيناها على مدى حضارات، أصبحت في مهب الريح لأن حضارة التكنولوجيا الرقمية باتت هي من يتحكم في رقاب كافة قاطني هذا الكوكب، حتى أنها أصبحت هي مصدر القوة، فالذي يمتلك المعلومات اليوم هو الذي يمتلك أهم مصادر القوة، وبما يفوق السلاح العسكري، وتحصيناتنا المتواضعة التي هيأناها «لصراع الحضارات» الذي يصر البعض على تلطيفه لتسميته حوار الحضارات، ظلت أقل من أن تدخل مثل هذا التحدي، لأنها صُممت مثل تصميم طرقات مدننا القديمة لتستوعب المشاة والبهائم وحسب، قبل أن يكتشف الناس أهمية السيارة التي تنبهوا إلى أنه يجب أن تنزاح المباني لتفسح لها المسارات، وذلك لأننا طيلة عقود وبدافع حماية المجتمعات استخدمنا كافة أساليب العزل، والمنع لإبقاء مجتمعاتنا في كبسولة طهارتها، دون أن نتنبه إلى أن هذا الأسلوب وإن كان يوفر النقاء المؤقت، إلا أنه وإن طال فإنه سيكون وبالا عليها لأنه يفقدها الحصول على الأمصال اللازمة لبناء المناعة، وبما يجعلها قادرة على التصدي لكل المخاطر الجديدة، المحتملة منها، والطارئة، وغير المحتملة.

لذلك أتوقع، وأرجو أن أكون مخطئا أن قدرتنا على الصمود في وجه التغيير القيمي ستكون أقل من غيرنا بكثير لسببين، الأول: لتأخرنا في ميدان الخوارزميات الذي تشتغل عليه معظم الميديا الجديدة عالميا، وإن كان منبعها في الأساس من بين أيدينا، إلا أننا انشغلنا عنها في محاكمة مبدعينا، وحرق كتبهم، وتفصيل الاتهامات على مقاساتهم، والثاني: لأن الزخم الذي يحرك السوشيال ميديا هو أشبه ما يكون بالتسونامي الذي يأخذ كل ما يعترض سبيله، وغالبا ما يكون رأسه الغثاء، والزبد، والقاذورات، ليصبها فيما لا يتوقع أحد أن تصل إليه، وهذا مصدر الخطورة!.