د. محمد حامد الغامدي

* التاريخ أشبه ببحر ضحل، لا يتوقف مداده. هذا يعني أنه مليء بالعوالق الكثيفة من أحداث البشر. هذه العوالق هي مادة التاريخ. دائمة الترسبات طبقة فوق أخرى. وتستمر ضحالته بما يحوي جيلا بعد جيل. وأحداثا بعد أخرى. ذلكم في كل مناحي الحياة. منذ خلق البشرية.

* إذا كان هناك علم الجيولوجيا. وظيفته التنقيب في أعماق الأرض وترسباتها. ليأتي لنا بالمعلومات عن ماضي الأرض. فإن التاريخ أيضا ترسبات من سيرة ونسيج أحداث البشر. بعضها فوق بعض. وفقا لأزمنتها ومواقعها المختلفة. تترسب المعلومات في طبقات لا تندثر. لذلك لابد من وجود وسائل وأدوات للتنقيب عن هذه المعلومات. وإذا كان هناك متخصصون في الجيولوجيا. فإن للتاريخ أيضا متخصصين. فالتاريخ علم له رجاله، وصُنَّاعة، وأدواته. له وسائله، ونظرياته، وفرضياته، وحقائقه. له تناقضاته، وأهدافه، وأيضا كوارثه.

* ترسبات التاريخ أفعال بشر. أمَّا ترسبات الجيولوجيا فهي صخور أرادها الله. تمثل مكونات تاريخ الأرض المختلفة. ترسبات البشر تتسم بتأثير الفرد على مكوناتها. إن البارع من العلماء يستطيع قراءة أشياء لا يراها الجميع. التاريخ أشبه بقوالب لوحات توحي وتقول. البعض يقرأ جزيئات صغيرة لا تلفت الانتباه. ليعطي لها تفسيرا لم تقل به اللوحة بشكل مباشر. هذا ما فعله الصليبي. حيث استنبط نتائج لم يأت بها أحد من قبله عبر تاريخ البشرية.

* عندما استعرض كتاب الصليبي. أجد نفسي أمام عبقري. استطاع الولوج إلى مغارات التاريخ. وطبقات ترسباته العميقة. ثم أتى بمعلومات جديدة يدعي صحتها. أخذتني الدهشة أمام مهاراته. وقد ميَّز معلوماته بالجديدة. ثم ربطها بأشياء أخرى قائمة وأخرى مندثرة. ثم أعاد توظيف نسيجها. وذلك بنسج وحبك مادتها من جديد. ليقدم مادة تاريخية جديدة.

* وقفت إعجابا بكتاب الصليبي. حتى في ظل عدم اتفاقي معه. بل ورفضه ومعاداته. وذلك تكريما لقدرات صاحبه. حيث أجاد القراءة بشكل مختلف في ترسبات التاريخ. قام بتشريح المعلومات. ثم ربط نسيج ماضيها بالحاضر. ثم جاء بالشيء الذي تخيله منطقيا وفقا لقراءته. ثم قدمه في كتاب. أعلن فيه أن أرض الميعاد هي جنوب غرب المملكة. هذا يعني أنه تطرق إلى نسيج بشري لا أتفق معه في صياغته لتعريفهم. هذا هو محور نقاشي في هذه السلسلة من المقالات.

* قدم الصليبي معلومات لم يقل بها رجال التاريخ والدين من قبله. حتى الكتب التاريخية لم تذكرها. لقد وجد الصليبي في ترسبات بحر التاريخ الضحل، صورا أشبه بالصخور الجيولوجية. ثم بدأ في تكسيرها وتفتيت مادتها؛ بحثا عن أدلة لمشروعه. ثم ربط نتائج التفتيت والتكسير بتفسيرات شخصية. ثم أقحم فيها خياله العلمي وفرضياته. ثم استنتج لنفسه مادة جديدة من ترسبات عصور مضت وأخرى قائمة.

* ولأنه الخصم والحكم. بنى نجاحه على تصديق فرضياته. جعلها تبدو منطقية من خلال التشريح والتحليل والاستنتاج. هل كان يكذب على نفسه؟ هل كان لدهشته باستنتاجاته يصدَّقها؟ قرأته يكذب الكذبة بطرح فرضياته. ثم يصدقها بتحليله واستنتاجه الجديد. ثم يأخذ في تجميع مكوناتها من جديد. ثم شكل لها هيكلا لحمل عباءة تاريخية جديدة. ثم بدأ في تسويقها لتكون لباسا جديدا للتبنّي.

* هذا يعني أن الصليبي كان الخصم. وكان الحكم. وكان صاحب الرأي. وكان المُوثّق. وكان المُحكّم لعمله. مشروع الصليبي مدعوم من جهات لا أعلمها. ولم يفصح هو عنها. ظهر وكأنه إنجاز فرد واحد. ورؤية فرد واحد. وطرح رأي فرد واحد. في النهاية جاء استنتاجه غير شرعي أكاديميا. من هنا يأتي رفضي لمشروعه. فيه يدعي أن أرض الميعاد بقدسها هي منطقة جنوب غرب المملكة. وللحديث بقية.