قبل عشرين سنة - تزيد أو تقل- كان سؤال الهوية من عقائد وطقوس وأفكار وتشريعات هو الهاجس الذي احتل فضاء تفكيري، حيث أخذ السؤال يكبر في هذا الفضاء، وتتوالد منه أسئلة أخرى، جميعها تصبُّ في ذات المنحى وذات التوجه. كانت الأسئلة تتدفق غريزيا، تصعد من القلب إلى العقل، يدفعها في هذا الاتجاه حافزان - وسأبسط الحديث حولهما في السطور التالية - أولهما حب القراءة والاطلاع، والآخر السياحة والاحتكاك بثقافات العالم.
فالعقل الإنساني أول قوة تدفعه نحو تفعيل طاقاته قائمة على مبدأ المقارنة، وهذا هو منطقه الداخلي.
في تلك الفترة لم تكن مصادر المعرفة التي تتغذى عليها الأسئلة متوفرة كما هي عليها الآن، الوصول إلى كل جديد في عالم المعرفة كان يتطلب جهدا مضاعفا دون أدنى شك، خصوصا في مدينة كالأحساء لم تكن سريعة الإيقاع في التطور، ناهيك عن الحياة الثقافية التي تتعلق بجديد المعرفة.
الأمر الذي شكل بالنسبة لي تحديا إضافيا على التحدي الأول الذي هو إعمال العقل وآلياته في نسيج تلك الهوية.
لا أخفي سرا حين أقول إن مجرد الاقتراب من الهوية من منطلقات عقلية صارمة يشبه الاقتراب من هاوية لا حواف لها ولا مصدات، قد تفضي بك إلى السقوط في قعرها.
الآن بعد انقضاء تلك الفترة بسلبياتها وإيجابياتها، ما زلت أسأل نفسي:
لماذا أول ما تفتح تفكيري على طرح الأسئلة كان سؤال الهوية هو الأول؟!
أليس بوسع المرء أن تتاح له خيارات أخرى إذا ما أراد أن يمارس تفكيره النقدي، مثل خيار التفكير في هويات مستقبلية تساهم في تحسين الظروف المعيشية على المستوى الاقتصادي والثقافي والسياسي والديني وأيضا الوطني؟!
لا أجانب الصواب إذا ما قلت للأسف لم تكن توجد مثل تلك الخيارات، إذا ما أخذنا ظروف المجتمع ومكوناته النفسية والاجتماعية والثقافية بعين الاعتبار.
هذه الظروف يمكن ربطها بحقيقة كون الهوية ليست مجرد عقائد وطقوس نتوارثها أبا عن جد فقط، بل هي فضلا عن ذلك تمثل صمام أمان ونظاما معيشيا يحافظ على تماسك الجماعة من الداخل، هذا النظام هو ما يعكس مجمل العادات الأخلاقية والعلاقات الاجتماعية والتبادلات التجارية، بحيث تكون قوة تماسكها لا تقتصر على احتياج الفرد لها في شؤون حياته المادية اليومية فقط، بل القيمة المقدسة (باعتبار هذه القيمة تتصل بشؤون الإنسان في علاقته بالله في آخرته) التي تضيفها تلك العقائد والطقوس عليها من العمق هي ما تعطي لهذا التماسك معنى وجوديا حيث ينزل هذا المعنى منزلة الهوية الجامعة التي لا تدانيها لا في الأهمية ولا المرتبة أي هوية أخرى، قد تكون عندها قابلية الإزاحة أو الاستيطان.
وهل يمكن اعتبار هذا التماسك الذي يعطي قيمة ومعنى وجوديا ذات بعد خصوصي؟! هي مجرد أوهام تخضع بالدرجة الأولى للظروف التاريخية والاجتماعية. لكن تظل تلك الخصوصية إذا ما اعتبرناها كذلك على صلة وثيقة بقوة الهاجس الذي شكل سؤال الهوية لدي، منذ بواكير تفكيري النقدي، وأعطى تفسيرا على الأقل من وجهة نظري الحالية عن القلق الكامن خلف تخوم هذا السؤال. ناهيك عن دوافع أخرى (منها الموضوعي ومنها الذاتي) التي عززت موقعية السؤال ذاته في رؤيتي النقدية. وأهم هذه الدوافع الموضوعية يتقاسمها جانبان: الأول منها افتقار الثقافة في وقتها إلى محفزات إبداعية متخيلة، تساعد الفرد على صنع هوايات خاصة (رياضية، فنية، أدبية، بصرية.. إلخ) تنمو وتتبلور على درجة من النضوج، حتى تتحول في المستقبل إلى هويات متنوعة، لا تكون بديلا عن الهوية التاريخية كنظام للتماسك الروحي والاجتماعي، بل تخفف من وطأتها وثقلها، بحيث تحفزها للانطلاق إلى المستقبل بخفة الطائر المحب للحياة.
فالعقل الإنساني أول قوة تدفعه نحو تفعيل طاقاته قائمة على مبدأ المقارنة، وهذا هو منطقه الداخلي.
في تلك الفترة لم تكن مصادر المعرفة التي تتغذى عليها الأسئلة متوفرة كما هي عليها الآن، الوصول إلى كل جديد في عالم المعرفة كان يتطلب جهدا مضاعفا دون أدنى شك، خصوصا في مدينة كالأحساء لم تكن سريعة الإيقاع في التطور، ناهيك عن الحياة الثقافية التي تتعلق بجديد المعرفة.
الأمر الذي شكل بالنسبة لي تحديا إضافيا على التحدي الأول الذي هو إعمال العقل وآلياته في نسيج تلك الهوية.
لا أخفي سرا حين أقول إن مجرد الاقتراب من الهوية من منطلقات عقلية صارمة يشبه الاقتراب من هاوية لا حواف لها ولا مصدات، قد تفضي بك إلى السقوط في قعرها.
الآن بعد انقضاء تلك الفترة بسلبياتها وإيجابياتها، ما زلت أسأل نفسي:
لماذا أول ما تفتح تفكيري على طرح الأسئلة كان سؤال الهوية هو الأول؟!
أليس بوسع المرء أن تتاح له خيارات أخرى إذا ما أراد أن يمارس تفكيره النقدي، مثل خيار التفكير في هويات مستقبلية تساهم في تحسين الظروف المعيشية على المستوى الاقتصادي والثقافي والسياسي والديني وأيضا الوطني؟!
لا أجانب الصواب إذا ما قلت للأسف لم تكن توجد مثل تلك الخيارات، إذا ما أخذنا ظروف المجتمع ومكوناته النفسية والاجتماعية والثقافية بعين الاعتبار.
هذه الظروف يمكن ربطها بحقيقة كون الهوية ليست مجرد عقائد وطقوس نتوارثها أبا عن جد فقط، بل هي فضلا عن ذلك تمثل صمام أمان ونظاما معيشيا يحافظ على تماسك الجماعة من الداخل، هذا النظام هو ما يعكس مجمل العادات الأخلاقية والعلاقات الاجتماعية والتبادلات التجارية، بحيث تكون قوة تماسكها لا تقتصر على احتياج الفرد لها في شؤون حياته المادية اليومية فقط، بل القيمة المقدسة (باعتبار هذه القيمة تتصل بشؤون الإنسان في علاقته بالله في آخرته) التي تضيفها تلك العقائد والطقوس عليها من العمق هي ما تعطي لهذا التماسك معنى وجوديا حيث ينزل هذا المعنى منزلة الهوية الجامعة التي لا تدانيها لا في الأهمية ولا المرتبة أي هوية أخرى، قد تكون عندها قابلية الإزاحة أو الاستيطان.
وهل يمكن اعتبار هذا التماسك الذي يعطي قيمة ومعنى وجوديا ذات بعد خصوصي؟! هي مجرد أوهام تخضع بالدرجة الأولى للظروف التاريخية والاجتماعية. لكن تظل تلك الخصوصية إذا ما اعتبرناها كذلك على صلة وثيقة بقوة الهاجس الذي شكل سؤال الهوية لدي، منذ بواكير تفكيري النقدي، وأعطى تفسيرا على الأقل من وجهة نظري الحالية عن القلق الكامن خلف تخوم هذا السؤال. ناهيك عن دوافع أخرى (منها الموضوعي ومنها الذاتي) التي عززت موقعية السؤال ذاته في رؤيتي النقدية. وأهم هذه الدوافع الموضوعية يتقاسمها جانبان: الأول منها افتقار الثقافة في وقتها إلى محفزات إبداعية متخيلة، تساعد الفرد على صنع هوايات خاصة (رياضية، فنية، أدبية، بصرية.. إلخ) تنمو وتتبلور على درجة من النضوج، حتى تتحول في المستقبل إلى هويات متنوعة، لا تكون بديلا عن الهوية التاريخية كنظام للتماسك الروحي والاجتماعي، بل تخفف من وطأتها وثقلها، بحيث تحفزها للانطلاق إلى المستقبل بخفة الطائر المحب للحياة.