عبدالله الغنام

ها هو الصيف يشتد حره يوما بعد يوم. وقد انتشرت مؤخرا الكثير من مقاطع الفيديوهات الشخصية من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، تتحدث عن شدته في مناطق مختلفة من دول الخليج. ومن المعروف أن درجة حرارة الجو (الهواء) لا تؤخذ تحت أشعة الشمس المباشرة، بل في الظل وبمعيار علمي مقتن.

وفي الصيف تتباين رود أفعال الناس، فهناك من يقرر أن يشد الرحال عنه بالسفر، ومنهم من مكث في بلده ولم يخطط للذهاب إلى أي مكان. ومن هؤلاء من تراه لا يكترث بالأجواء، فهو يستمتع بوقته في كل الظروف. وكم رأينا من أشخاص جلوس يتجاذون أطراف الحديث على المقاهي (كوفي شوب) وعلى ناصية الشارع والأرصفة في مختلف الأوقات (ويزداد مرتادوها ليلا)، ولسان حالهم يقول: سنستمتع بأوقاتنا وحياتنا في كل حين.

وهناك فئة أخرى على العكس من ذلك هي كثيرة التذمر من حرارة الصيف كأنهم لم يولدوا ويكبروا في هذه الأجواء!. ونحن نعلم أن بعضا من مناطق المملكة يكون فيها الحر شديدا صيفا بسبب تعامد أشعة الشمس في الشهر السادس الميلادي. والأجواء تكون أكثر رطوبة في الشهرين السابع والثامن الميلاديين، وهي تتكرر في كل سنة. وقد تزداد بعض الدرجات من موسم صيف إلى آخر. ولكن لسان حال المتذمرين من الصيف يذكرني بقول الشاعر: يطلب المرءُ في الصيفِ الشتاء... فإذا جاء الشتاءُ أنكره. ليس يرضى المرءُ حالا واحدا... قُتل الإنسانُ ما أكفره. وهذا في الغالب طبع الإنسان التذمر والتشكي إلا ما رحم ربي وقليل ما هم. والقليل أيضا من الناس الذي لا يجعل من الأجواء وتقلباتها شيئا مؤثرا على مزاجه ونفسيته (مكبر رأسه ولا يهتم).

وحين نعيش هذه الأجواء الحارة، فإن لدينا بدائل حديثة وهي نعمة لم تكن متوفرة لمن كان قبلنا، بل هي ليست متوفرة لغيرنا في زمننا!. فنحن اليوم نعيش بين المكيفات المتنوعة في السيارة والمكتب والبيت والمسجد ثم البعض يشتكي من الصيف. وهذا يذكرني أيضا بقول الشاعر: كل من تلقاه يشكو دهره ليت شعري هذه الدنيا لمن!. وفي المقابل لعلنا نستغرب عجبا حين نسمع أن بعض مناطق أوروبا لما اشتدت عليهم حرارة الصيف قليلا (بداية الأربعينات المئوية) ضاقوا بها ذرعا، وربما كان تأثيرها شديدا عليهم نفسيا وجسديا.

وأما من الناحية العلمية وبحسب ويكبيديا، فهناك زيادة في متوسط درجة حرارة الهواء منذ منتصف القرن العشرين الماضي، حيث زادت درجة حرارة سطح الكرة الأرضية بمقدار 0.74 مئوية (1.33 فهرنهايت). والمتوقع أن تزداد من 1.4 إلى 5.8 مئوية! من عام 1990 حتى 2100م.

والزيادة في درجة حرارة الجو لم يكن سببها الحيوانات ولا النباتات ولا نيزك من السماء، بل كان سببها الإنسان الجشع ماديا والنهم تكنولوجيا بتأثيره السلبي على الطبيعة والبيئة. وكما هي عادة الإنسان يخرب الطبيعة ثم يسن قوانين لإصلاح ما أفسد بيديه!!. وهذه الظاهرة تسمى بالاحتباس الحراري (Global warming) حيث ارتفاع درجة الحرارة السطحية المتوسطة في العالم بسبب زيادة كميات ثاني أكسيد الكربون وغاز الميثان، وبعض الغازات الأخرى في الجو. والتي يطلقها الإنسان من المصانع والسيارات وغيرها من الآلات والمعدات.

وإذا كان التنبؤ بالمستقبل ممكنا حسابيا وأن درجات حرارة الهواء ستكون أشد، فربما علينا أن نفكر جديا بأن نزرع مسطحات خضراء أكثر وأكثر على مستوى المدن والقرى، وقد جاء في الحديث النبوي: «إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها». وأكيد أيضا أنه لابد من الحزم أكثر بمسألة التقليل من الانبعاثات الغازية الضارة للغلاف الجوي وللبيئة.

والصيف هو الصيف منذ عرفناه، ولكن ردة أفعالنا تجاهه هي المتغيرة!