خليل الفزيع

ما بين القرآن الكريم وحفظه صلة وثيقة، فحفظه بمعنى استحضاره عن ظهر قلب، لا يقل عنه أهمية حفظه بمعنى منع أسباب التلف أو الضياع أو الالتهاء عنه، ونحن نقول للإنسان «حفظه الله» أي حماه ورعاه من كل سوء، وبهذا المعنى قال أحدهم:

احرص على حفظ القلوب من الأسى

فرجوعها بعد التنافر يعسر

وقد تعهد سبحانه وتعالى بحفظ القرآن في قوله الكريم (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) وهو القول الذي يؤكد الحرص الإلهي على الكتاب الكريم، وهو الأمر الذي التزم به المسلمون حتى وإن تساهل بعضهم في أمر من أمور دينه فإن حفظ القرآن على الوجهين يظل هاجسا ملحا في قلب كل مسلم، سواء حفظه بمعنى استظهاره، أو حفظه بمعنى حمايته، حتى أصبح هذا السلوك طبيعة لا تنفصل عن المسلم بأي حال من الأحوال، وجهود حفظ القرآن في بلادنا تركزت وترسخت منذ عهد المؤسس الملك عبدالعزيز - طيب الله ثراه-، ومن ذلك إنشاء مدارس تحفيظ القرآن الكريم في كل مدن وقرى وهجر هذا الوطن العزيز، وجاء مشروع طباعة المصحف الشريف ليكون درة في عقد الجهود المباركة المبذولة في بلادنا للعناية بكتاب الله، وتيسير الوصول إليه بالنسبة لجميع المسلمين في أرجاء المعمورة، وامتدت هذه الجهود لتشمل المحافظة على كتاب الله من التلف أو التلوث نتيجة أي إهمال أو تصرف غير مسئول من بعض الناس، وهم قلة ولله الحمد، فلا تزال الرغبة في حفظه والحفاظ عليه ظاهرة سائدة في المجتمع الإسلامي، من أجل ذلك تبنى بعض أهل الخير «مشاريع العناية بالمصاحف المستعملة»، وما ذلك سوى مظهر من مظاهر العناية بكتاب الله في هذا الوطن العزيز، وهو قبلة المسلمين ومهوى أفئدتهم أينما حلوا أو رحلوا في مشارق الأرض ومغاربها.

و«مشروع العناية بالمصاحف المستعملة» بالمنطقة الشرقية هو واحد من هذه المشاريع الخيرة، وهو «مشروع رائد في العناية بالمصحف الشريف جمعا وحفظا وتثقيفا وتوعية للمجتمع لتعظيم كتاب الله الكريم». حيث يحرص القائمون عليه على جمع المصاحف التي تعرضت للإهمال أو التلف، وتحويلها إلى مصاحف صالحة للاستعمال وإعدادها للتوزيع على المحتاجين داخل وخارج المملكة، مستقبلين جميع أنواع المصاحف سواء المتضرر منها أو تلك التي لم تتضرر بتلف أو غيره، وكل ذلك من أجل تأهيلها ثم توزيعها على من يحتاج إليها، ويشمل النطاق العمراني لهذا المشروع محافظات ومدن المنطقة الشرقية من الأحساء إلى الخفجي مرورا بالخبر والقطيف ورأس تنورة والجبيل والنعيرية وحفر الباطن، إلى جانب الدمام، والمعروف أنه ما من منزل من منازلنا إلا وفيه مصحف أو أكثر يزيد عن حاجة أهل هذا المنزل، ولأن وجود المصحف في المنزل وإهماله دون استعماله أمر لا يليق بالمسلم، فإن الحرص على الاستفادة منه أمر واجب وبصرف النظر عن حالة المصحف من حيث الجودة أو عدمها، فما على صاحبه إلا أن يوصله بأي وسيلة هو قادر عليها، لتتم العناية به وإعداده للتوزيع بعد ترميمه مما قد يظهر عليه من تلف وغيره.

ولا شك أن جهدا كهذا يحتاج إلى تضافر الجهود الفردية والمؤسساتية بالدعم والمؤازرة معنويا وماديا ليتمكن القائمون عليه من تنفيذ برامجهم الطموحة في خدمة المصحف الشريف، والمؤسسة وإن كانت حاليا تابعة للمكتب التعاوني للدعوة والإرشاد بالدمام، لكنها تحتاج لأن تكون مؤسسة ذات كيان مستقل، لأهمية الرسالة التي تقوم بها لخدمة وحفظ المصحف الشريف.