ليلى محمد باهمام

لم أكن أتوقع ذلك السيل العارم من الاحتفاء بمقالي الأول من جمهور وأحبة أثق كثيرا بما يكنونه لي من مشاعر جياشة أعجز عن الوفاء بحقها مهما تحدثت أو كتبت، فلكم مني وافر العرفان والامتنان وأسأل الله أن أكون عند حسن ظنكم جميعا.

ولنعد إلى المثل الدارج على لسان العرب والذي اخترته عنوانا جاذبا لمقال العودة، ووجدته مشهورا لدى العجم أيضا لشدة تماثله مع الواقع، ومع جميع الناس تقريبا.

ولعل بعض الأحبة قد استدرك علي في تفسير الآية ((وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ)) النور -26. وأن المقصود بها الكلام الطيب للطيبين والخبيث للخبيثين كما ذكر بعض المفسرين، وهذا وارد ولا يكاد يخالف التفسير الأول والشاهد أنه ليس كل الأزواج متشابهين، أو على مِثل الحالة، إنَّما إذا ارتاح كلٌّ منهما للآخر، فهذا يعني أنَّهم على شكل واحد، فلْيَهنَؤوا.

وإن حدَثتْ معجزةُ الاجتماع على غير الشَّكل، فسرعان ما تميز وتظهر، ويتَّضح الخِلافُ، ويقدر الله أمرا كان معلوما ولا راد لقدر الله ما لم يكن لكل منهما مرجعية داخل نفسه تحميه من ظلم نفسه وغمط حق الآخرين.

وما قصَّة «البطة السوداء» عنَّا ببعيد، فلم تتأقلَم كما هي إلى أن كبرَتْ وتغيَّر شكلها وأصبحت بهم أشبه وإليهم أقرب، فبدأت بالاندماج والألفة.

وحين ننظر اليوم بعين البصيرة إلى الفضاء الإلكتروني نجد ترجمة واضحة لـ «الطيور على أشكالها تقع»، حيث تميل كل جماعة إلى شبيهاتها، وكل زمرة إلى زمرتها وفق ما تحمله من أفكار وآراء، أو صفات متجانسة، أو ميول واهتمامات، أو حتى خواء وفراغ بما يتناسب مع الطبيعة البشرية لكل إنسان ظاهرة كانت أم مخفية.

ولأنه فضاء واسع فإن الجميع يجد من خلاله متسعا للتعبير عن ذاته ومضمونه وتربيته ودينه، ويميل لمن يوافقه بعض الطباع إن لم يكن جميعها بعيدا عن التصنع الذي يمارسه في حياته الطبيعية ليوافق مجتمعه خوفا من سياط ألسنتهم التي لا ترحم.

ولعلي بعد غياب عن الساحة لانشغالي الجميل بالأمومة ومشاعرها قد صُدمت صدمة العمر حين دخلت صدفة إلى خريطة السناب التي تحمل قصصا عامة لأفراد معروفين بمناطقهم وأحيائهم فوجدت العجب العجاب الذي يندى له الجبين حياء من الله وخشية على براءة صغارنا وكبارنا من ذوي النقاء، مما ساءني كثيرا وتمنيت أن تتجه الجهات المعنية بهذا الأمر لاستحداث هيئة خاصة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في هذا الفضاء الشاسع لعلهم يرتدعون وننقذ ما يمكن إنقاذه في زمن الفتن.

وفي الشعر الشعبي يقول عبدالرحمن بن بديع:

بعض الأوادم على غاية بعضها تطيح ولا تطيح الطيور إلا على أشكالها

قبل الوداع:

سألتني: بأي شيء تُقاس العلاقات بين البشر؟

فقلت: بعد أن خضت معترك الحياة مرارا، فقد آمنت بأن العلاقات بين الناس لا تُقاس بالحب بقدر ما تُقاس بالأمان، الأمان الدائم الذي لا يعقبه خوف من أشياء كثيرة أبسطها الجحود وإفشاء الأسرار، وإرضاء الآخرين على حساب قلبك ونقاء روحك، وصدقك الذي قد يندر وجوده في هذا الزمان، فعلا العلاقات أمان.

Lailamb_2012@hotmail.com