د. إبراهيم العثيمين

تقول زوجة الطبيب «لا أعتقد أننا عمينا بل أعتقد أننا عميان يرون، بشر عميان يستطيعون أن يروا لكنهم لا يرون». هذا جزء مقتبس من رواية العمى التي كتبها البرتغالي جوزيه ساراماجو الحاصل على جائزة نوبل في الآداب، تدور روايته حول وباء غريب يصيب إحدى المدن، فيصاب سكان تلك المدينة بالعمى فجأة، مما يخلق فوضى عارمة تفقد التحكم بها ما يؤدي إلى سيطرة العصابات فيما بعد على ما تبقى من طعام ودواء. أعتقد أننا نعيش حالة هذا العمى العالمي أمام انتهاكات المليشيات الحوثية المدعومة من إيران في اليمن أو من خلال استهدافها المتكرر للمملكة عبر الصواريخ والتي كان آخرها استهدافهم مطار أبها الدولي الذي يمر من خلاله يوميا آلاف المسافرين المدنيين من مواطنين ومقيمين من جنسيات مختلفة، أسفر عن مقتل مدني وإصابة سبعة مدنيين آخرين.

لماذا أقول عمى لأن العالم كله -كما ذكرت في مقال سابق- يعلم أن إيران ما زالت تزود الحوثي بالأسلحة والصواريخ الباليستية سواء ما تم عرضه في معرض حقائق في دقائق الذي جمع فيه نماذج من الأسلحة التي استخدمتها ميليشيات الحوثي في استهداف المملكة وشاهدها قادة العالم الإسلامي ووسائل الإعلام العربية والإسلامية. كما أن هذه النماذج تم عرضها كذلك على سفراء الدول الـ 15 في مجلس الأمن في يناير 2018 في القاعدة العسكرية في واشنطن أو التقرير السري الذي قدمته لجنة الخبراء في يوليو 2018 إلى مجلس الأمن، تثبت فيه وتأكد «أن الحوثيين ما زالوا يتزودون بصواريخ باليستية وطائرات بلا طيار من إيران بعد فرض الحظر على الأسلحة في العام 2015». وهذا انتهاك واضح وصريح لقرار مجلس الأمن 2216، الذي يمنع تسليح المليشيات الحوثية. فهذا العمى عن هذه الحقائق والاستهتار بالنظام الدولي جعل مثل هذه الجماعة أو غيرها تتمادى في عدوانها لعلمها بعدم وجود رادع يردعها.

وكما أكد دائما أن خطورة تزويد إيران هذا الكم من الصواريخ الباليستية لجماعة إرهابية خارجة عن إطار الدولة على مرأى ومسمع العالم كله يساهم في استمرار صراع وإطالة أمد الحرب وعدم الوصول إلى حل سياسي للأزمة اليمنية، وبالتالي تدهور الوضع الإنساني في اليمن. هو كذلك تهديد حقيقي لدول الجوار والمنطقة بشكل عام، فلولا دعم النظام الإيراني للحوثيين لما تم استهداف الأراضي السعودية بأكثر من (225) صاروخًا باليستيا، وأكثر من 155 طائرة من دون طيار، والآن محاولة استهداف مطار أبها الدولي وقتل المدنيين. أيضا إن كثيرا من هذه الأسلحة مثل تكنولوجيا الدرونز أو الصواريخ الباليستية يمكن أن تنتقل لكثير من الجماعات الإرهابية الأخرى مثل تنظيم القاعدة وتنظيم (داعش) في اليمن أو في بلدان الصراع، مما يزيد من وتيرة الهجمات الإرهابية في تلك المناطق.. كذلك هي تهديد خطير لحرية الملاحة في مضيق باب المندب الإستراتيجي الذي يمر من خلاله ما يقارب 40% من إجمالي حركة النفط العالمية، عبر استهداف السفن التجارية وناقلات النفط في البحر الأحمر أو إغلاق موانئها. وبالتالي فهذا العمى عن هذه الانتهاكات الخطيرة سوف يمتد خطرها إلى العالم أجمع.

لكي ننتهي من أزمة التهديد الحوثي لا بد من منع إيران من تزويد الحوثي بالأسلحة بكل الوسائل ثم العمل دعم الحكومة اليمنية لبسط سلطتها على كافة الأراضي اليمنية وفق قرار مجلس الأمن 2216، وتعزيز قدرتها وكفاءتها، وإيجاد خارطة طريق للأزمة وفق المرجعيات المشار إليها. ويجب أن يتم ذلك وفق دعم كامل من المجتمع الدولي للحكومة اليمنية لتنفيذ مخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل وكافة المرجعيات.

وأخيرا لم يحظ حل سياسي بقبول وطني وإقليمي ودولي مثل ما حظي الحل السياسي باليمن. فمرجعيات الحل السياسي المتمثلة في المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية ومخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل وقرار مجلس الأمن 2216، أخذت هذا الطابع الوطني والإقليمي والدولي. ومِنْ نافِلة القول أن هذه المرجعيات أخذت كذلك طابعا دوليا من خلال تأكيد القرار الأممي 2216 على هذه المرجعيات الثلاث في بنود القرار.