إبراهيم باحاذق

النفس دائما أمارة بالسوء وتحتاج للمقاومة، فمن يطع هواه يهلك، ومن رحمة الله بعباده وعلمه التام بخلائقه أنه يعي ضعفهم وحبهم للدنيا وانشغال الضعفاء منهم بها عن الآخرة التي هي خير وأبقى.ولهذا خلق الله لعباده مجموعة من العبادات التي تطهرهم وتذكرهم بالله دوما.

والصدقة من أعظم العبادات التي تنجح في تقويم هوى النفس وعلاج الكثير من الآفات التي تضرب شخصية الإنسان في ظل هذه الحياة الطاحنة مثل البخل والشُح، وأكد على ذلك قول الله تعالى في كتابه المجيد في سورة التوبة: «خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا».

فالله لا يحتاج لأموال عباده فهو الغني سبحانه وتعالى لا ينفعه إنفاق عباده ولا يضره امتناعهم، وهو من بيده الرزق والإمساك ولكنه ولحكمة تتضح لنا باستمرار جعل الصدقة من العبادات التي لابد وأن تلازم المسلم، حيث إنها تختبر مواضع الإيمان الحقيقية في النفوس، فالمال يكاد يكون الغاية الأكبر التي يسعى إليها الإنسان طوال حياته.

وبالتالي يكون الإنسان الدنيوي حريصا قدر المستطاع على المال حتى أنه قد يتعاظم في قلبه إخراجه في سبيل الله أو مساعدة الفقراء والمحتاجين ظنا منه أن الصدقة تنقص الأموال وهو ما يتنافى تماما مع قول الله تعالى في سورة البقرة: «مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ»، وهو ما يتنافى تماما مع فكر الإنسان بنقصان المال عند التصدق به. لهذا فإن الصدقة هي أربح أنواع التجارة وأضمنها؛ لأنها ليست مع العباد بل مع رب العباد.

ولا تتمثل الصدقة فقط في مفهوم الزكاة التي فرضها الله على عباده وجعلها الركن الثالث من أركان الإسلام مُقدمة عن الصوم والحج والتي لها قواعد وأصول يعيها المسلم جيدا فلم يفرضها الله إلا على المسلم القادر ماديا، وإنما هناك مصادر كثيرة للصدقات ولم يجبها الإسلام في شيء محدد أو وقت بعينه كمصارف الزكاة، فمن عظمة الله أنه جعل التبسم في وجه الآخرين بمثابة صدقة.

إن أهمية الصدقة والجود لا تنعكس فقط على حياة الإنسان بل تظهر آثارها على المجتمع ككل، فالله عز وجل لم يخلق أو يكُلف الإنسان بأي عبادة عبثا أو ليشق عليه بل لمغزى وهدف وهو استقامته وتعمير الأرض بنهج سليم، خلاصة القول إن الصدقة والجود لها مفعول السحر في كل نواحي الحياة حتى أنها قد تكون السبيل للشفاء من الأمراض وفقا لحديث الرسول الكريم «داووا مرضاكم بالصدقات»، وأي إنسان في هذه الحياة قد يدخل في أعمال التجارة مُعرض للنجاح أو الخسارة إلا مع الصدقة، فهي تجارة مع الله ولا يخسر من يتاجر مع الله مطلقا، فإما أن يأخذ ربحه في الحياة الدنيا وإما أن يأخذه في الآخرة، وأحيانا يرى مفعولها في الدارين.