عبدالله الغنام

قديما كان يعتقد أن الضوء يخرج من العين إلى الأشياء فنراها، ولكن لما جاء ابن الهيثم (عالم بصريات توفي عام 430هـ) كان يعتقد العكس وهو أن انعكاس أشعة الضوء يسقط على العين فترى الأشياء. إذ لو كانت العين هي التي ترسل الأشعة لكان بنو البشر يستطيعون أن يروا في الظلام. ومن فكرة انعكاس الضوء جاء ابن الهيثم باختراع «القُمرة» وقد أصبحت الكلمة لاحقا كاميرا!.

حديثا نحن نعلم أن الضوء هو إشعاع ذو موجة كهرومغناطيسية. وأما سبب حديثنا عنه فإن 15 من هذا الشهر (مايو) هو «اليوم العالمي للضوء». وتخطط اليونسكو في 16 مايو 2018 ما بين الساعة الثانية والنصف بعد الظهر وحتى الثامنة مساء أن تقييم أول احتفال باليوم الدولي للضوء. وقالت (اليونسكو): إنها ستستضيف في هذا اليوم علماء بارزين للاحتفاء بالدور الذي يلعبه الضوء في حياتنا اليومية. وسيتناقش الباحثون والمفكرون حول إمكانيات استخدام التكنولوجيات المستندة إلى الضوء في مواجهة التحديات الملحة في مجالات متنوعة، مثل الطب والتعليم والزراعة والطاقة.

الأمر المدهش في الموضوع أن آينشتاين يرى أن سرعة الضوء (300.000 كيلومتر في الثانية) هي الشيء الثابت في هذا الكون، ولذلك استخدمها في معادلته الشهيرة جدا (E=MC2). ولكن مدهش أكثر أن نظريته النسبية الخاصة (عن الضوء) لها فرضيات عجيبة منها السفر عبر الزمن. وتخيل لو وصلنا إلى سرعة الضوء باستخدام مركبة نفاثة (لا يمكن حاليا ربما مستقبلا!) فإن الزمن يتباطأ حتى يتوقف! لأن الزمن عامل نسبي وليس ثابتا.

وسأعطيكم مثالا تعتمد عليه الكثير من الأفلام والروايات التي تتحدث عن السفر إلى المستقبل. فلو أنت سافرت خارج الكرة الأرضية بسرعة الضوء وعدت بعد سنة سيكون قد مر على الأرض عدة سنوات (بمعنى أنك جئت إلى المستقبل)، وسيكون عمرك أكبر بسنة فقط بينما من كانوا في عمرك قد كبروا عدة سنوات!. والمحاولة للوصول إلى تلك السرعة قد تبدو مستحيلة اليوم، ولكن كم من أفكار واختراعات كانت مستحيلة لمن قبلنا وهي اليوم من المسلمات ويكفي إثبات ذلك بجوالك الذي بين يديك!!

وللضوء فوائد أخرى مثل استخراج الطاقة الكهربائية من الألواح الشمسية، والتمثيل الضوئي للنباتات. وأيضا ضوء الشمس يمكن استخدامه أثناء النهار للإضاءة، ولذلك تجد كثيرا من المباني وناطحات السحاب تستخدم الزجاج كجدران خارجية من أجل طاقة بيئية نظيفة وليس فقط للنواحي الجمالية، ربما مستقبلا تستخدم كمصدر طاقة كاملة مستقلة للمباني.

وكما قلنا إن إشعاع الضوء هو موجات كهرومغناطيسية، فهناك موجات للضوء لا نراها مثل: الأشعة البنفسجية، وهي موجة قصيرة لا تراها العين البشرية، ولكن بعض الحيوانات والطيور والزواحف تراها! إذا هي ترى أشياء لا نراها! بسبب قصر الموجة الكهرومغناطيسية.

ومن هنا فليس كل ما لا تراه عينك البسيطة تعتقد أنه غير موجود وتنكره!، فالكون فسيح ومليء بالمفاجآت الحالية والمستقبلية، وصدق الله سبحانه وتعالى حين قال: «وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا». ومع ذلك تجد الإنسان يغتر بعلمه وبالتكنولوجيا التي صنع، وهو مخلوق ضعيف ذو عقل فعال وعبقري. ولكن غرور الإنسان بعلمه لا حد له، ولديه نهم لن يشبع منه، وقد يوصله غرور العلم إلى ما لا يحمد عقباه. وهنا يأتي دور الدين والأخلاق لكبح جموح الإنسان العلمي حتى لا يستخدمه في أهداف تسيء للبشرية وتضره أكثر مما تنفعه. وقد قال آينشتاين: العلم بدون دين أعرج، والدين بدون علم أعمى. وقال د. مصطفى محمود -رحمه الله-: إن العلم الحق لم يكن أبدا مناقضا للدين، بل إنه دال عليه مؤكد لمعناه.

وصحيح أن العلم المادي البحت أضاء لنا البيوت، ولكنه لم يستطع أن يضيء لنا القلوب!