محمد العصيمي

إذا استثنينا المستأثرين بالثروة في دول أوروبا وأمريكا، فإنك لو قلت لأمريكي أو أوروبي، فيما عدا ربما الاسكندنافيين، تعال لتكون سعوديا أو إماراتيا أو كويتيا لرقص إلى الصبح طربا وفرحا بهذا العرض السخي، فما هو إذن مقياس العدالة؟ هل هو الديمقراطية أم الرفاه.؟ ومن ثم ما هو مقياس السعادة، هل هو حرية التصرف وحرية التعبير المطلقة أم الاطمئنان إلى أن الأولاد سيصلون إلى الجامعة ويتخرجون منها بسلام دون أن تحتاج لقطع البيتزا عن البيت لكي توفر مصاريفها لدراستهم.؟ كانت أسوأ أيام حياتي حين عشت في أمريكا لما يقرب من ثلاث سنوات، حيث لم يكن هناك شيء حقيقي على الإطلاق، فالأمريكي إجمالا يمثل على نفسه وعلى الناس من الصباح إلى المساء. يمثل أنه حر ويمثل أنه سعيد ويمثل أنه يدير أسرة ناجحة.

المواطن العادي هناك مضحوك عليه بالمظاهر والشكليات وبهرجة الحياة وليس بهجتها. ولذلك كنت أعرف من جيراني وأصدقائي الأمريكان من إذا آوى إلى فراشه في الليل تمنى لو لم يظهر الصباح لكي لا يواجه الحياة الداهمة القاسية التي تطحنه بلا هوادة. وهذا، في رأيي، نقص فادح في العدالة، أن لا تشعر بالأمان على بيتك ومعيشتك وصحتك وتعليم أولادك، وعبورهم بأمان سكك المخاطر والمخدرات التي تحيط بهم.

كان أحد أصدقائي هناك واسمه مايكل متزوج وسعيد بزواجه الذي مضى عليه خمس سنوات. سألته يوما، من باب الفضول العربي، لماذا لم ينجبا طفلا إلى الآن.؟ وقد صعقتني إجابته حين قال إنه يود ذلك لكنه غير متأكد من السنة القادمة وليس فقط المستقبل، فكل شيء في حياته مرهون لآخر: مؤسسة تجارية أو بنك أو دكان قروض على ناصية الشارع. هذا يعني في نهاية المطاف، على مستوى الحاجة البشرية الطبيعية، أن صناديق الاقتراع ليست أولا. ما هو أول وآخر هو الرفاه ثم الرفاه، كون العدل أول ما يبدأ من بطون الناس.