كلمة اليوم

هو حدث تاريخي بالتأكيد، ذلك الذي احتضنته الدرعية بتاريخها ورمزيتها، والمتمثل في السباق العالمي الكبير «السعودية للفورمولا E– الدرعية 2018»، والذي يستمر حتى مساء هذا اليوم السبت، لكن ما الذي يدعونا لوصفه بالتاريخي طالما أن مثل هذه السباقات تُقام في غير مكان من العالم؟، هل نجازف في هذا التوصيف؟، أم أننا نقارب فعلا بين ما يحدث في بلادنا، وما يلامس في حقيقته الفعل التاريخي؟. الإجابة تحتاج في تقديرنا إلى عدم تناول الحدث الرياضي بصفته المجردة، والتي عرفتها دول كثيرة سبقتنا إلى تنظيم مثل هذه الرياضات، وإنما تقتضي بالدرجة الأولى ربط المكان بالمكين، لنتصل مباشرة بالروح الذكية التي لم ترد أن تستنسخ ما يفعله الآخرون وكفى، وإنما أرادت أن تواكب العالم ولكن بعيون سعودية، عيون تستطيع أن تعيد الدرعية ليس لذاكرتنا المحلية فهي حاضرة فيها بوصفها جزءا رئيسا من تاريخ بلادنا، وإنما تعيد استحضار الدرعية كرمز تاريخي للعالم المتعطش لفهم وقراءة ثقافتنا، ولكن دون استخدام الطريقة الكلاسيكية التي تروى فيها الأحداث، وإنما عبر مناسبة عالمية تشد أنظار العالم بمختلف هوياته وثقافته، وعبر حدث يحتل مساحة عريضة في اهتمامات الشباب ليقرؤوا الدرعية مشهدا ضمن هذا السياق، مما يعزز من وصول الثقافة الضمنية التي هي في واقع الأمر أهم من كل المساقات التقليدية التي ينتهي ترحالها عند أذهان المختصين والباحثين فقط.

وجود الفورمولا في الدرعية، وحضور الدرعية كبذرة أولى لهذا «الوطن الشموخ»، ليست مجرد صور متداخلة، وإنما هو تمازج الرؤية بين الحدث والمكان، وهو ما يصنع العراقة، لأننا «نحن أو سوانا» لا نستطيع أن نقدم أنفسنا للعالم من خلال المباني الرخامية، وناطحات السحاب فهذه مشاعات يوفرها المال، لكننا بالتأكيد نستطيع أن نقدم أنفسنا، وشخصيتنا، وهوية بلادنا من خلال رموزها التاريخية، ومن خلال ما تضمه من الأماكن التي تحتفظ بالكثير مما يجب أن يقال، ومما يروي للعالم حكاية الوطن الذي تخطى الطين ليبني كل هذا المجد العريق، وهذه الموقعية الدولية، ليبني ذاته من الصفر ليبلغ هذا المدى الذي جعله ضمن منظومة العشرين الكبرى كتفا بكتف.

من هنا تأتي أهمية ربط الفورمولا بالدرعية، واستيعاب ما أراده سمو ولي العهد لشباب بلاده عندما قدم هذا المزيج المتألق ما بين التاريخ والحداثة.