د. مشاري النعيم

هل تبقى المكتبة الورقية أم ستزول؟

شاركت الأسبوع الفائت في لقاء معماري/‏ ثقافي حول مستقبل عمارة المكتبات نظمته جامعة الفيصل بمدينة الرياض، اللقاء بترتيب من مركز عبدالرحمن السديري بالجوف ويهدف إلى تطوير مكتبة «دار العلوم» في سكاكا التابعة للمركز. يجب أن أذكر هنا ان الموضوع له أهمية خاصة، لكن ما أثار انتباهي هو الاهتمام الجم من قبل أبناء عبدالرحمن السديري وعلى رأسهم رئيس المركز زياد السديري بأن يكون تطوير المكتبة غير تقليدي، لذلك سعى هو وأبناؤه وعلى رأسهم ابنته جواهر (وهي متخصصة في التصميم العمراني وحاصلة على درجة الماجستير في هذا التخصص من جامعة كولمبيا) لتحويل مشروع تطوير مكتبة «دار العلوم» إلى مختبر فكري يحاور مستقبل عمارة المكتبات ككل، وتمت دعوة فريق من جامعة MIT (فريق طلابي على مستوى الماجستير وأساتذتهم) قبل هذا اللقاء بعدة شهور وقد زارني الفريق في مكتبي في هيئة السياحة والتراث الوطني في مدينة الرياض وجرى بيننا حوار طويل حول «ماذا تعني المكتبة» في وقتنا الراهن وماذا ستعني في المستقبل؟من الواضح أنه حدث تحول أساس في المكتبات باتجاهين، الأول: في عمارة المكتبات ورسالتها الرمزية حيث أصبحت المكتبة «أيقونة» معمارية تبعث برسائل ثقافية محددة تم توظيفها بشكل كبير في السنوات الأخيرة. المفارقة هي أن المكتبة كمكان لم يعد مهمًا كما في السابق وأن الصورة الذهنية التقليدية التي لدينا عن المكتبات الورقية تبدلت ولم يعد لها تأثير. التحول الثاني: هو في دور المكتبة، فربما نتفق جميعا أن الدور الأساس هو نقل وتبادل المعرفة لكن أصبح تحقيق هذا الدور يتطلب وسائل جديدة، رقمية بشكل خاص، ولم تعد هناك حاجة للتواجد المكاني في المكتبة إذا كان الهدف هو المعرفة المستمدة من الكتاب. إذا فلماذا نبني مكتبات جديدة ولماذا هناك تزايد في التوظيف الرمزي لمباني المكتبات على مستوى العالم؟ السر يكمن في أن المكتبة أصبحت «ورشة ابداع وملتقى اجتماعيًا» بدلا من دورها التقليدي كمخزن للكتب. تحولت إلى مركز تعلم يتطلب مرونة في التصميم والتعامل مع الفضاء الداخلي بدلا من صفوف أرفف الكتب. دورها متعدد الوظائف وكمنصة تقنية رقمية لذلك فإن عمارة المكتبات المستقبلية ستتجاوز العديد من المحظورات التاريخية، إذ أنها لم تعد مكانًا هادئًا، بل ان مساحة الضجيج فيها تزداد كونها أصبحت ملتقى اجتماعيًا تفاعليًا. أسلوب القراءة التقليدي اختفى أو أنه في طريقه للاختفاء، وهو ما سيجعل فكرة المكتبة ككل ستتغير. لقاء جامعة الفيصل يشير إلى «أزمة» تواجهها المكتبات الورقية التقليدية، ويبدو أن كل ما هو ورقي من صحف وكتب ومجلات وحتى مكتبات سيواجه عواصف التغيير «الافتراضية» فنحن أمام عالم افتراضي يتوسع يوميا وحتى في الدول التي تملك أعرق المكتبات هذه المواجهة محتدة لأن الجيل التقليدي الذي يتعامل مع المعرفة ورقيًا، وأنا منهم، يتقلص بشكل مستمر بينما الجيل الرقمي الشاب يتوسع ويحتل كل أماكن الجيل القديم. كان رأيي هو أن المكتبات التقليدية ستزول رغم أن عاطفتي معها، فأنا لا أستطيع أن أقرأ إلا من الورق وإذا لم أضع ملاحظاتي على كل ما أقرأه لا أشعر أنني قرأت، لكن عاطفتي لن تكفي لابقاء المكتبات التقليدية والتغيير آت لا محالة.