محمد العلي

البحث الأبدي في العقيم

«تعا تا نتخبى من درب الأعماروإذا هني كبروا نحنا بقينا صغاروسألونا وين كنتوا ليش ما كبرتوا انتوبنقلن انسيناواللي نادى الناس تيكبروا الناسراح ونسي ينادينا»هل ابيضت عيناك من الحزن، وأنت تصغي بقلبك إلى فيروز، وهي تشدو بهذه الأغنية، بلغة طفلية نشوى، بلغت الأحلام لحيها.. مرفأها المنتظر مثل غودو.لم يكن في الفضاء الفني مترامي الأبعاد لفيروز أي ظل لعبث البحث عن الخلود، ذلك الأبدي العقيم، ولا أي طيف لخواء الوجود «وسيزيفيته» الذي تجده في مسرحية «في انتظار جود» أن فيها الأمل الطفولي، كما كان يطيف في عيني جلجامش والذي نلمس فجيعة انطفائه في أول ملحمة عرفها التاريخ حتى الآن «26 قرنًا قبل الميلاد».. فيروز لم تكن وجودية، وأظنها بعيدة عن قراءة مسرحية صموئيل بيكيت.. إنها تعبّر عن «لحظة» بحجم الأبد... وهي الاختفاء عن ذلك الوجه البشع، وعبثه بالوجوه، والمصائر، الذي ينادي الناس بأن يكبروا، وهو «الزمن» الذي جاء الإنسان فأضاف إلى بشاعته بشاعات أخرى:«كلما أنبت الزمان قناةركب المرء في القناة سنانا»قد نظن أن جلجامش أول مَن عصفت به الرغبة في البحث عن الخلود.. كلا.. إن كل كائن حي، في كل زمان ومكان، يبحث عن الخلود، أنت وأنا وهي وهو و.. و.. على امتداد النوع.. نبحث عن الخلود: الفكر، العلم، الفلسفة، الأماني، وكل اختلاجات الإنسان الداخلية المبهمة، إنما هي بحث عن الخلود الدائم أو على الاقل، الخلود المؤقت.والخلود المؤقت الذي أعنيه كما أتصور، هو تحقيق الفرد لذاته لا بالمعنى الوجودي، بل بذلك المعنى البسيط وهو الفرح بالنجاح في مجال ما من مجالات النشاط البشري والإبحار في زورق الحرية.لقد قضى العلم على الأسطورة، وبهذا أجهز على البحث عن الخلود الدائم.. وحتى الخلود المؤقت وهو تحقيق الذات والإبحار في زورق الحرية.. يقف الآن أمام أبواب كثيرة وهو يرتعد خوفًا من مجيء ذلك المؤقت الذي لا يرى فيه بابًا يمكن أن يدخله.