الملابس القديمة والجسم الجديد
كل الحديث الآن ينصبّ حول إعادة هيكلة الاقتصاد، وتنويع مصادر الدخل، والاستثمار في اقتصاد المعرفة، لكن لا حديث على الإطلاق عن نوع الإدارة المهيأة للاضطلاع بهذه المهمة، وكأنه لا علاقة بين الطرفين، رغم أننا قد اضطررنا لتجاوز هذه المعضلة في بعض المحطات عبر تنظيم الهيئات العامة للفكاك من تقليدية النظام الإداري القائم منذ الستينيات والسبعينيات، والذي لم يتعرض إلا إلى مراجعات طفيفة، حيث لا يزال يعيش في عتمة البيروقراطية، ومتاهة عقم الروتين الذي لم يستوعب بعد الأتمتة، ولا مفردات الحكومة الالكترونية. ملابسنا القديمة لا تناسب أجسامنا بعد الترشيق، هذه حقيقة، وتغيير أنماط الاقتصاد لا يمكن أن تتماشى مع أنظمة الصادر والوارد، وإجراءات اتخاذ اللازم، ولا مع نظام المناقصات القائم، وما إليها، والتغيير الطفيف الذي طرأ على إطارها من حيث الشكل، دون الوصول إلى العمق، لا يؤسس لإدارة جديدة مؤهلة لقيادة اقتصاد حيّ ومرن وطيّع، وقادر على ابتلاع المآزق الإدارية، وتحويلها إلى عتبات يصعد عليها بدلا من أن تكون حجر عثرة في طريقه. في تجربة سنغافورة وفق «لي كوان يو» كما قرأتْ كان تفكيك الإدارة التقليدية، وإعادة تركيبها على هوى محفزات الاقتصاد الجديد، أحد أهمّ أدوات النجاح، قال أحدهم: «لأنه لا يمكنك أن تقود طائرة نفاثة بمهاراتك بمقود دراجة هوائية»، وأنا أقول: «إننا لن نذهب بعيدا بمشاريعنا طالما أن أهم معايير التلزيم مثلا هو السعر الأقل دون أي اعتبار لمعايير الكفاءة والجدارة لمجرد أن نظام الإدارة يقرر هذا البند»، ويمكن القياس على هذا إلى ما لا نهاية. أعي تماما تلك الجهود التي تبذل في سبيل إعداد القادة الإداريين، والبعثات في هذا السياق إلى هارفارد وغيرها من معاقل البناء الإداري، لكننا -في رأيي المتواضع- نحتاج أول ما نحتاج في هذه المرحلة للتخلص تماما من النظام الإداري التقليدي برمته، ليس بهدمه، لا أبدا، وإنما بإعادة هيكلته وتنظيمه على قاعدة الكفاءة والإنتاج ومعايير جودة الأداء، وألا يكون الطريق في الوصول إلى المرتبة بطول الخدمة، وإنما عبر التأهيل ومحددات القدرة والجدارة، والرؤية أكبر من أن تستوعبها مساحة كهذه، لكنني أكتفي على الأقل بالمطالبة بوضع هذا الشأن على طاولة البحث.