سالم اليامي

البؤس السياسي

هناك أزمة في إيران، لم يعد أحد يشك كثيرا في مصداقية هذه الجملة، ما قد يغيب عن الكثيرين أن السبب الرئيس في هذه الأزمة، هو الثورة القلقة، حيث يخبرنا علم الاجتماع السياسي، والرصد التاريخي للأحداث الكبيرة في حياة الأمم والشعوب، أن ما يعرف بالثورات لا تعدو في إحدى صورها لحظة مفصلية تسمح بحدوث تغير جوهري ومغاير من حالة إلى أخرى، تكون الحالة الجديدة والتي يفترض أنها الأفضل، هي المنجز الذي تحقق من العمل العظيم الذي هو الثورة. والعودة إلى استحضار الثورات الكبرى في التاريخ السياسي المعاصر تؤيد، وتطابق هذه الجزئية، وهو العكس تماما لما حدث ويحدث في إيران منذ أربعة عقود، هناك عمل مفصلي مدد واستغل، وحمل أكثر مما يحتمل، حتى أصبح عبئاً على الدولة بمفهومها العصري، وعلى الناس كمواطنين يتطلعون للتغير الأفضل في حياتهم، وعلى المجتمع الذي أصبح وقودا لمعانِِ رمزية لا تتحقق في الواقع، يضاف إليها لضرورات الاستخدام الايديلوجي الإيراني أبعاد تُخرج كل ذلك من السياقات الطبيعية للتاريخ، وللثورات ولبناء المجتمعات، والدول، والأنظمة السياسية.الأحداث الأخيرة في المدن الإيرانية والتي تكاد تغطي التراب الرسمي هناك، هي محل تساؤل الإيرانيين أنفسهم، وملاحظة ومتابعة الدول الإقليمية، والمنظومة الدولية. يخطئ من يعتقد أن ما يحدث في إيران فعل منعزل عن سياقات التاريخ، والجغرافيا، أو أنه سيكون بعيدا عن طبيعة التعاطي الدولي التقليدي الذي يرتبط بمصالح الآخرين، القريبين والبعيدين وخاصة تلك الأطراف التي سعت أيديلوجيا الثورة العمياء إلى تصدير الاضطراب والقلق ومظاهر عدم الاستقرار إلى بلادهم ومجتمعاتهم.هذا الاحتقان الجماهيري، الذي انطلق على خلفيات ظلم وغمط اقتصادي للناس تصاعد ليكشف عن الغضب المتراكم على الرموز السياسية ونصف الدينية التي تدير منظومة الثورة الممتدة في إيران، النظام بأدواته التقليدية يتوقع ان يتعامل بصرامة ووحشية مع الناس التواقين للحرية، والانعتاق من ثورة أصبحت عبئا لا يطاق على الناس الذين أصبحوا بحياتهم ومستقبلهم وقودا لمعانِِ خالية من المضمون السياسي والاجتماعي والإنساني. المجتمع الدولي عليه واجب ودور كبير في اختبار المثل التي ينادي بها، ويعلي من شأن تعزيزها في المجتمعات النامية، كحريات الناس، وحقوقهم في إبداء آرائهم، ودفع النظام لاحترام كل ذلك وتجنيب الناس البسطاء في القرى والأرياف السجن والاعتقال والتعذيب. وعلى الرغم من قصر الفترة الزمنية التي برزت فيها أحداث الاحتجاج والتصادم مع قوات النظام، إلا أن دولا مهمة ومؤثرة واكبت وتابعت كل ذلك باهتمام من المفيد ألا يفسره الجانب الإيراني بطريقة خاطئة لأن ذلك قد يكلفه الكثير. في إيران الثورة اعتاد عرابو النظام والمستفيدون منه تسمية الأشياء بغير أسمائها الطبيعية تسويغاً لمصالح فئوية وشخصية على الأغلب، يقول موسى الموسوي، في مؤلفه «الثورة البائسة»: إن الثورة تقتل الخصوم السياسيين بوصفهم «المفسدين في الأرض» وتعذب الناس بطرق بشعة باسم «التعزيز الشرعي» وتهدر الأموال باسم «حماية المستضعفين» وتخنق الحريات في إيران باسم «مصالح الأمة» وتنشر الفوضى في كل مكان باسم «مكاسب الثورة».