التضامن الإنساني وفولتير
لعل البعض منا ما زال يتذكر البرنامج الخليجي الهادف والنجاح (سلامتك) فقد كان برنامجا تثقيفيا صحيا رائعا، ومما أذكر منه تلك الجملة التي تقول:«لأنك الإنسان تعمر الأوطان». وكذلك أيضا جاءت رسالة ديننا الحنيف واضحة في أن الأصل في الإنسان عمارة الأرض لا خرابها. والإنسان والإنسانية بمفهومها الواسع يشمل جميع البشر، وجاء لفظ الإنسان في القرآن 58 مرة، وكان الخطاب موجها للإنسان بصفة عامة في كثير من آياته منها قوله سبحانه وتعالى: «علم الإِنسان ما لم يعلم».والسبب وراء حديثي عن مفهوم الإنسان والإنسانية هو أن يوم 20 من هذا الشهر(ديسمبر) يوافق (اليوم العالمي للتضامن الإنساني)، وتقول عنه هيئة الأمم المتحدة: «يوم للاحتفاء بوحدتنا في إطار التنوع» وهو يندرج تحت أهداف التنمية المستدامة.الحياة العصرية تجعلنا نتعامل مع البشر على اختلاف مشاربهم وأفكارهم وأديانهم لأن العالم كله أصبح مترابطا بشبكة من مواقع التواصل الاجتماعي، فالإنسان يمكن أن يخاطب أي إنسان على هذه المعمورة حتى ولو كان في وسط الأدغال. والعالم اليوم هو فعليا قرية صغيرة بسبب التكنولوجيا الحديثة ووسائل الاتصال والتواصل المختلفة، وهنا تمكن أهمية حسن التعامل الراقي الإنساني للآخر.في حقبة الستينيات والسبعينيات من القرن المنصرم كانت الصورة النمطية للإنسان العربي خاصة والمسلم عامة أنه أمي ومتخلف، ويجهل الحضارة والتعامل الحضاري، وتلك هي الصورة التي كانت تنقل في معظم الدعايات والأفلام السنيمائية.ومع بداية الألفية الثالثة انتشرت فكرة أن أي عربي ومسلم هو إرهابي في الأصل، وذلك جزء من الـ«بروباغندا» السياسية للعيش تحت وطأة الإسلاموفوبيا. إن حسن التعامل مع الآخرين (وليس التنازل عن القيم والمبادئ الإسلامية) ممكن أن يفتح آفاقا لنقل صور مشرفة لنا كعرب وكمسلمين خصوصا بعد تلك الصورة القاتمة المنتشرة حاليا في كثير من دول العالم. والإسلام دين شمولي وإنساني، يقول عباس محمود العقاد -رحمه الله-: «الإسلام دين إنساني عام، أو دين عالمي كما نقول في اصطلاح العصر الحديث».ولتحسين هذه الصورة نحتاج إلى عمل شاق وطويل من خلال تحسين التعامل الإنساني لنا كأفراد حين نسافر أو حين نتعامل مع الآخرين عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها. وهذه مسؤولية تقع علينا جميعا، وقد جاء في الأثر: «الدين حُسن المعاملة».ويأتي أيضا دور الإعلام في نقل الصورة الإنسانية الأفضل عن مجتمعنا وليس السير وراء التيار العرم من الدعاية الإعلامية العالمية لأن الصورة الحالية عنا تجعل الآخر يكرهنا ابتداء، وفي حسن الأحوال يحاول تنجب الاحتكاك أو التعامل معنا بسبب الصورة والحكم المسبق وذلك بسبب تأثير وسائل الإعلام العالمية. وقد يكون السبب أيضا وقوع بعض الأخطاء الشاذة من القليل، كما قيل: الشاذ لا حكم له. ولكن للأسف أن الشر يعم والخير يخص، فحادثة واحدة إرهابية في أي بقعه من العالم سوف يُظن على الفور أن الذي قام بها مسلم، فقد أصبح ذلك من المسلمات. وتحسين تلك الصورة يحتاج إلى سنوات من الجهد ولكنها قد تهدم بتصرف أرعن وهمجي. وكما قال الملياردير وارن بافيت: كي نبني الثقة نحتاج إلى عشرين سنة، وحتى نهدمها نحتاج إلى خمس دقائق! إن الإسلام دين فطرة وهو يحمل بين جنبيه مبادئ الإنسانية السامية، ولا يمكن أن يشرع أمرا يخالف الفطرة السوية أو يضر البشرية لأنه دين الله الكامل، وقد سلِم من التحريف والتبديل. وكما قال الفيلسوف الفرنسي فولتير مخاطبا رجالات الكنيسة: «والإسلام لم يتغير قط، أما أنتم ورجال دينكم فقد غيرتم دينكم عشرين مرة»!!.