الشعوب ضد الطائفية
في شهر أكتوبر عام 2012، تقريباً، أي منذ خمس سنوات قدمت محاضرة في النادي الأدبي بالدمام تحت عنوان: (ثقافة الاختلاف على تويتر). قلت في تلك المحاضرة إن الطائفية هي أشد الموبقات على هذه الوسيلة الاتصالية الافتراضية التي لا يحكمها حارس بوابة ولا تمنع أحداً من أن يدس سموم طائفيته كيفما شاء وضد من شاء. ولم أستثن أحداً من ذلك، فكل الدول بدون استثناء يمارس فيها بعض الأفراد طائفيتهم البغيضة دون حسابات مجتمعية صحيحة، ودون انتباه لما تؤدي إليه هذه الطائفية من الفرقة والاختلاف وتهديد سلامة الوطن والمواطنين.ولأن الطائفيين، يكمنون ولا ينتهون، فقد أطلوا برؤوسهم مؤخراً بعد وفاة الفنان الكويتي الكبير عبدالحسين عبدالرضا، رحمه الله، وأشبعوه شتماً وتكفيراً، بينما أشبعونا أسىً وألماً على حالنا. وكان عزاؤنا أن من تصدى لهؤلاء، الذين أعتبرهم قلة، هم الناس العاديون الذين تنامى وعيهم وإدراكهم لمخاطر الطائفية ونتائجها على الأوطان والمجتمعات. لقد استحق الموقف الشعبي، السعودي والخليجي، التحية نظير تصديه لهجمات الطائفية الأخيرة؛ ليس فقط من باب الرفض لتصرفات غير مسؤولة من هذا القبيل وإنما، أيضاً، من باب أن هذا الرفض حمل نضجاً وطنياً ومجتمعياً يبشر بكثير من الخير في المستقبل.دلائل هذا الخير تتمثل، أول ما تتمثل، في أن الشعوب في منطقة الخليج، وفي دول عربية أخرى، باتت تتحمل مسؤولياتها في رفض الطائفية ونبذ الطائفيين الذين طالما باعوا واشتروا في هذه السوق القذرة التي أتاحت لها وسائل التواصل الاجتماعي منافذ واسعة وسهلة. وهذا، بالمناسبة، أهم بكثير من نصوص وأدبيات النخب التي طالما حاربت الطائفية ونادت بتجريم مرتكبيها؛ لأن ما يحدث من وعي ضد الطائفية، على أساس شعبي عام، هو الكفيل بتناقص المد الطائفي وتجفيف منابعه، خاصة إذا كان هذا الوعي يصدر من الاحتكاك بتجارب طائفية واقعية أوردت أوطانها ومجتمعاتها موارد الهلاك كما هو حاصل في أكثر من بلد عربي.وكل ما علينا الآن هو أن نمسك بهذه البادرة الشعبية الرائعة ونبني عليها قوانين متقدمة تجرم الكره والطائفية.