رمضان والصورة الذهنية
ما زال حديثنا عن رمضان والحديث عن المحبوب لا يُمل، وكذلك هو الشهر المبارك بإطلالاته الخلابة والمتجددة. حين يُنشر هذا المقال سيكون ثلثا رمضان قد مضى في لمحة، وتلك من صفات الوقت مع الأحبة، ولكن العجيب والرائع في هذا الشهر أن فيه بركات للوقت أكثر من غيره. ودليل البركات والاستفادة من الأوقات أننا نقضي أوقاتنا ما بين العمل والصلاة وقراءة القرآن ومختلف العبادات والطاعات، بالإضافة إلى الالتزامات الاجتماعية من زيارة للأهل والأصدقاء، وكذلك التسوق لقضاء الحاجات وغيرها من الأشغال. كل تلك الأعمال تحدث في اليوم والليلة وتقل بذلك ساعات النوم ومع هذا نحن ننجز أكثر. وهذا يؤكد على فكرة أنك إذا أردت أن تنجز عملا بسرعة، فأعطه لشخص مشغول لا لشخص فارغ، لأن الفارغ سيعطيك ألف عذر وعذر ليبقى فارغا في عقله ووقته!!. وصدق من قال: إذا كان الشغل مجهدة، فإن الفراغ مفسدة. الأمر الآخر الجميل في رمضان هو أن معظم الناس يحاول أن يكون أكثر صبرا وخُلقا في هذا الشهر وذلك عكس ما يروج له. وأما بعض المشادات الكلامية أو المشاجرات (المضاربات) من القلة، فليست مقياسا للتعميم، وكما قال الفقهاء: النادر لا حكم له. ولكننا للأسف نركز على الصورة القاتمة، فعندما تقع حادثة هنا أو هناك نسلط عليها الأضواء سواء في الإعلام أو مواقع التواصل الاجتماعي وننسى بقية المجتمع، وذلك إجحاف في حق الكل. فهناك الآلاف، بل الملايين من الناس نراهم منضبطين أخلاقيا وسلوكيا خلال شهر رمضان المبارك، وتلك هي الصورة الإيجابية والحقيقة التي لابد أن تُذكر وتُنشر. ومع مضي الوقت خلال هذا الشهر جرب البعض منا التقليل من الطعام ومقاومة التأثر لما يرجو له من خلال دعايات لا تتوقف من أنه «شهر البطون» ووجد من تلقاء ذلك راحة جسدية ونفسية. وتلك مباردة لطيفة لعلنا نجربها ونلحق بالركب فيما بقي من الشهر حتى نصبح أكثر خفة ونشاطا. وقد ذكر عن طبيب العرب الحارث بن كلدة أنه قال: المعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء. ويؤكد ذلك ما جاء في الحديث الشريف: «ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن، بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة: فثلث لطعامه، وثلث لشرابه وثلث لنفَسِه».ومن المشاهدات والمبادرات الرائعة في هذا الشهر انتشار الجود بين الناس بمختلف أنواعه سواء بالمال، أو بالطعام، أو حتى بالوقت والجهد، فعمل الخير لا يعدم جوازيه. وقد كان الرسول عليه الصلاة والسلام أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان.أعتقد أن الصورة النمطية السابقة لرمضان من أنه للأكل والشرب قد تغيرت، فنجد الناس حاليا أكثر حركة وعملا، وهذا هو المرجو، بل هذه الصورة والروح الإيجابية التي لا بد أن نركز عليها. وسنظل نكررها دائما لأن الصورة الذهنية تحتاج إلى وقت لتعزيزها وغرسها في العقول لتصبح عادة حميدة متأصلة، ولتغيير المفاهيم السابقة الخاطئة عن هذا الشهر المبارك.مهما عشنا مع هذا الشهر سيظل في كل عام له نكهة خاصة لا تُكل ولا تُمل، أعاده الله علينا أعواما عديدة.