ثلاثون عاما في رفقة «المعلم»
دخلتُ جريدة الرياض عام 1406هـ، بترشيح الصديق الأستاذ يوسف الكويليت، والذي لم يكن حينها صديقا، ولم تكن تربطني به أي صلة، وقتها لم أكن صحفيا، كنتُ قاصا «على قدر الحال»، لكنه استطاع أن يقنعني لأنضم منذ ذلك الوقت لجريدة الرياض، وكانت أولى مقابلاتي لتركي السديري في مقر الجريدة في الملز، لم يكن الرجل موجودا في مكتبه الذي دلني عليه أحد المستخدمين، حيث كان الباب مفتوحا، فيما تنتشر نسخ من صحف عربية وعالمية على العدد الأكبر من المقاعد، ولم يكن هنالك سكرتير، ولا مدير للمكتب، كان رئيس التحرير هو سكرتير نفسه، ولم أشأ أن أمكث في مكتب لا يوجد صاحبه فخرجتُ إلى الممر، ووقفتُ بانتظاره، أعرفه من الصورة لكن لم يسبق لي أن قابلته، ولم يمض وقت طويل حتى رأيته قادما من السلم بصحبة اثنين من الشباب الملتحين، كان صوته في حواره معهم يسبق وصوله، مروا من جانبي دون أن يعيروني أي اهتمام، وهم ينشغلون بحوارهم الذي يبدو أنهم بدأوه من مواقف السيارات، ثم توقفوا أمام باب المكتب، كان الشابان يريدان منه كما فهمت أن يخصص صفحتين للشؤون الإسلامية، فصاح: يا (دبوان) هات الجريدة، فجاء شاب أسمر بالجريدة على عجل، فجلس على الأرض وفتحها أمامهم قائلا: «هذه الجريدة من الترويسة إلى كاريكاتير الأخيرة كلها إسلامية، وعندما أخصص صفحتين للشؤون الإسلامية فأنا أحوله إلى مجرد ركن مثل ركن المرأة، وركن الرياضة وركن الاقتصاد». كان يرفض أن يكون له سكرتير، لأنه يعتبر هذه الوظيفة بمثابة الفلتر، ورئيس التحرير يجب أن تصل إليه الأمور كما هي، لأن أخطر ما في الأمر أن يبني سياساته التحريرية على رؤى مجتزأة، وأظنه لولا كثرة سفرياته بحكم العمل لما تنازل عن هذا المبدأ ليعين سكرتيرا يتلقى الاتصالات التي ترد إليه أثناء غيابه، ولو كان الجوال حاضرا في تلك الفترة لما تنازل عن مبدئه، هكذا أظن. كان متاحا على مدار الساعة، حتى في ساعات نومه، بخلاف رؤساء تحرير كثيرين يعتمدون على سكرتارياتهم. إنه بحق أستاذ مهنة، نذر روحه وحياته وصحته لها، وقد تعلمنا منه على صعيد المهنية ما لا يمكن أن توفره أي جامعة، رحم الله أبا عبدالله وأسكنه فسيح جناته.