محمد العصيمي

دولة الفيسبوك

لا يبدو أن هناك دولة ستنافس دولة (الفيسبوك) في عدد السكان بعد اقتراب هذه الدولة الإلكترونية الافتراضية من الاستحواذ على نصف سكان الأرض، بينما أعلنت عن تخطي أرباحها حاجز ثلاثة مليارات دولار، في الربع الأول من العام الحالي، بزيادة بلغت 76 في المائة على أساس سنوي. وفي الوقت الذي تعاني فيه كل الدول (الواقعية) من بطالة مزمنة، توظف فيسبوك 3000 موظف جديد لمراجعة محتوى الفيديو على الموقع. الدول الافتراضية إذن تفرض نفسها على عالم اليوم، ليس فقط في حدود جغرافية هذه الدول في أمريكا الشمالية أو أوروبا، بل حول العالم كله وفي أقصى نجوعه وقراه ومزارعه ومراعيه البائسة. في بيوت الصفيح اليوم، في أفريقيا مثلا، لا يستغني السكان عن حليب بقرتهم مثلما لا يستغنون عن ضرع التواصل الاجتماعي الذي تؤكد دولة (فيسبوك) أن أغلب مستخدميه الجدد يأتون من خارج المناطق التقليدية للتكنولوجيا وارتفاع المداخيل وتقدم الحياة. هذا يؤكد أن المسألة، في عالم اليوم، هي محض لمعات فردية فكرية وليست طوابير هائلة من الطلبة الذين تدفع بهم المدارس والجامعات لينخرطوا في اعتيادية الحياة والوظائف. هناك تحول بشري واضح باتجاه الأثر الفردي للموهبة والعبقرية التي تغذيها بيئة المدرسة والجامعة والمجتمع لتخلق دجاجة تبيض أو تدر ذهباً. ومن المؤكد، أيضاً، أن الشهادة الجامعية (المعلبة) لن يكون لها في المستقبل قيمة بقدر القيمة التي يكتسبها شخص مبدع حتى لو لم يتجاوز تعليمه الابتدائية، ما دام قادراً على أن يأتي بأفكار جديدة وأعمال خلاقة تنفخ في صورة مشروعه إلى أن يكون دولة عظمى تتجاوز مداخيلها السنوية مداخيل كثير من الدول التي عجزت عن صناعة طعامها وحياكة ملابسها. هناك سنوات ضوئية تفصل عالمنا الثالث عن ذلك العالم الذي لم يعد عالماً أول فقط، بل أصبح عالماً مجنحاً لا تسعه الخيالات ولا تحيط به التوقعات. ولربما يجوز القول إن ما نحن بصدده هو عالم أول وعالم عاشر لكي يستقيم الوصف وتصح المقارنة.