د. محمد حامد الغامدي

العزلة الرهيبة والسكون الأبدي

في موته عار وإدانة مؤلمة للجميع.. كان ذلك عنوان مقالي الأسبوع الماضي.. تكشف أمامي جزء من سيرة موت شجر العرعر في جبال السراة.. هناك من قرع جرس الإنذار وعلقه.. لماذا تجاهلت الوزارة المسئولة والجهات الرسمية الأخرى ذات العلاقة؟! موت شجر العرعر لم يكن حالة طارئة.. بدأ منذ ثلاثة عقود وأكثر.. رصد الشباب السعودي الوضع في حينه.. حذروا.. لكن كالعادة تجاهل وعدم اكتراث.. هل كان هذا جزءا من فساد ساد؟! ■■ بتأسيسي قروب (إنقاذ شجر العرعر) على «الواتس اب»، تجمع أعضاء مهتمون ومحبون لهذه الشجرة، عملوا على زيادة حجم وقوة صوت جرس الانذار. هل وصل الصوت لأصحاب القرار؟! وصل من خلال ورشة عمل حضرها وكيل وزارة البيئة والمياه والزراعة. هل تحركوا لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، أم أن تاريخ الإهمال والتجاهل يعيد نفسه؟!■■ بعد كتابة مقالي الأسبوع الماضي، اتضح لي أن مجلة (قافلة الزيت) الشهيرة، بعددها (مايو - يونيو 1998) الموافق لشهر (صفر 1419هـ)، حملت رسالة لأصحاب الشأن، في مقال عن موت شجر العرعر.. اليوم أعتبر هذا المقال (وثيقة) تدين ولا تبرئ، تثير التساؤلات حول تناسي هذه الظاهرة. كانت بعنوان يقول: [ظاهرة موت قمم أشجار العرعر في المرتفعات الغربية والجنوبية للمملكة العربية السعودية]. كان صاحب المقال والصور التي وردت (قتيبة حمود السعدون). عشرون عاما عمر المقال. سنون كانت كافية لعلاج الوضع. لكن (لو) كانت هي النتيجة.■■ من هو (قتيبة السعدون) صاحب مقال مجلة (قافلة الزيت)؟! هو حاليا مستشار وخبير في التخطيط والعلوم البيئية. هو المدير العام السابق للدراسات والأبحاث في الهيئة السعودية للحياة الفطرية. هو المدير السابق لإدارة تخطيط المناطق المحمية. هذا يعطي المقال قوة صوت تجاهلتها عقول لا تسمع إلا صوتها. يقول في مقدمة المقال على صفحة القافلة رقم (24): [إن مشاهد الأشجار التي عاشت مئات، بل آلاف السنين، وهي تصارع الموت الذي يداهمها من قممها الشامخة، ويسري في أغصانها حتى الساق، ثم يطرحها على الأرض التي عاشت عليها طوال تلك السنين، لأمر مؤلم حقا].■■ نعم.. أمر مؤلم موت هذه الأشجار المعمرة. كانت أحد عناصر تعزيز البيئة المطرية في المملكة. هذه الأشجار تمثل جهد أجيال مضت إلى خالقها فخورة بحفاظها على هذه الثروة النباتية. مؤلم أن يكون هذا الوصف لمعاناتها قبل عقدين من الزمان، وما زال الوضع قائما. إهمال الغطاء النباتي وعدم تنميته والحفاظ عليه مؤشر سلبي على مستقبل الأجيال القادمة. المسئولية تفرض علينا حماية الغطاء النباتي. أمر مؤلم أن نظل متفرجين دون تدخل لإنقاذه. ■■ يقول المستشار السعدون: [لقد عاشت تلك الأشجار (قبلنا) ومرت عليها حوادث الزمان]. أي عمق إنساني في هذه الكلمات. عمق يجسد معاناة هذا الشجر الذي يصفه بهذه الكلمات المؤثرة: [كان يمتص الماء والغذاء وتعصف بأغصانه الرياح الباردة، وهي تطل على هذا العالم من فوق تلك الأعالي، تشرب من غيوم السماء في عناق دائم، وتستقبل بين لحظة وأخرى طائرا رشيقا جميل الألوان، يتراقص بين أغصانها ليتركها بعد حين في تلك العزلة الرهيبة وذلك السكون الأبدي].■■ قبل عشرين عاما أجاب عن التساؤل: ما هي أشجار العرعر؟! أيضا في عناوين أخرى تُشكل جسم وملامح الظاهرة في المقال، منها: ظاهرة موت قمم أشجار العرعر، ما هي الأسباب وما هو العلاج؟! ما هي الحلول؟! بالمقال صور توحي وتقول، التقطها ألم (السعدون) الذي عكسته كل الصور. في صورة كبيرة تجسد الألم، كتب تحتها التعليق التالي: [أشجار معمرة منذ مئات السنين تقف يابسة ميتة]. هذا المقال نتاج دراسة وليس مجرد خواطر. هناك دراسات أخرى، جميعها توثق للإهمال والتقاعس. هل توثق أيضا لانحباس أنفاس المسئولية وموتها قبل موت شجر العرعر؟!