المملكة وصناعة الحلول
ظلت المملكة وعلى مدى تاريخها أحد أهم صناع الحلول في المنطقة، ذلك لأنها الدولة التي تعتمد في سياساتها على منطق الدولة المسؤولة، بعيدا عن الشعارات الجوفاء أو المنبريات الساخنة التي تؤجج مشاعر الجمهور لكنها لا تحصد سوى الهشيم، وقبض الريح، وقبل هذا وذاك لأنها الدولة التي لا تستخدم سوى مكيال العدالة في تعاملاتها مع خصومها قبل أصدقائها. كثيرون هم صناع المشاكل، والقلة فقط هم من يصنع الحلول، لأن هذه القلة تمتلك أولا رصيدا ضخما من الثقة أمام الآخرين، وتمتلك مع هذا رصانة الموقف وثباته، وحتى لا يكون هذا الحديث إنشائيا؛ يلزم أن نستشهد بالواقع، وفي أكثر قضايا الأمة تعقيدا، وهي القضية الفلسطينية، لنجد أن أهم مبادرات الحلول خرجت من المملكة، ما بين مبادرة الملك فهد، حينما كان وليا للعهد عام 1982م في قمة فاس، وصولا إلى مبادرة الملك عبدالله أيضا حينما كان وليا للعهد عام 2002م في قمة بيروت، وهي كما هو معلوم المبادرة التي لا يزال يعول عليها العرب في حل هذه القضية، وتقبلها معظم القوى النافذة في مجلس الأمن، فيما ترفضها إسرائيل التي لا تسعى للسلام بقدر ما تعمل على فرض سيطرتها من خلال الأمر الواقع. واستنادا على همة المملكة في طرح مثل هذه المبادرات، والتي ليس لها ما يماثلها من حيث الجدية عدا مبادرة الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة عام 1973م، والتي أعاد من خلالها موقفه من قرار التقسيم عام 1956م تحت عنوان (خذ وطالب)، فإن الساحة تكاد تخلو تماما من المبادرات التي تتعامل مع الواقع، وتريد أن تصل إلى حلول تطوي ملف الحروب إلى الأبد، وتعيد الأمن والهدوء والسلام للمنطقة. وذلك لأن سياسة المملكة قامت من أساسها على مبدأ صناعة السلام، وتبني الحلول، حتى عندما كان سوق الحروب الكلامية أكثر جماهيرية بين الشعوب، بقيت المملكة عند موقفها في تحين فرص السلام، واثقة من أن الجميع في النهاية سيعودون إلى الخط السعودي الذي يقدم خيارات الحل السلمي قبل كل شيء، وهاهو ملف مبادرة السلام «التي هي في الأساس مبادرة المملكة» يُفتح من جديد في قمة عمان الأخيرة، ليؤكد دور هذه البلاد في صناعة الحلول.