ليبيا والفراغات الثلاثة
أفاق العالم يوم 24 مارس 2017 على تصريحات أمريكية تحذر الجانب الروسي من التحرك والوجود العسكري على الأرض الليبية. التحذيرات الامريكية جاءت على لسان السيد توماس فالدهاوسر قائد مجموعة ما يعرف بافريكوم، وهي القوات الأمريكية في أفريقيا، وللتوضيح فهذه المجموعة، أو القوة العسكرية، تعد الذراع الامريكية الحربية التي تحمي مصالح الولايات المتحدة الأمريكية في هذه القارة، وتنظم العلاقات مع دولها. بعبارة أخرى مراقبة ما يحدث من تطورات على أراضي أكثر من 50 دولة في القارة السمراء.المهم في التحذيرات الأمريكية أنها تأتي في وقت بدأت تترسخ فيه مقولة ان الحراك السياسي الليبي توصل إلى طريق مسدود تماماً، وأن حجر الزاوية في هذا المسار اتفاق الصخيرات 2015م أو محاولة الحل السياسي الوحيدة قد تجاوزتها الأحداث. وذلك لان التقارير الدولية تقول ومنذ زمن، إن الأرض الليبية تَعرف وجوداً حقيقياً لقوات أجنبية، أوروبية، وأمريكية، واليوم هناك الحديث عن قوات روسية.الوجود العسكري الاوروبي في ليبيا يدافع عن نفسه بأنه يحمي الشواطئ الأوروبية من أمرين: الاول الإرهاب، الذي تعد البلاد الليبية اليوم إحدى نقاط عبوره. الأمر الثاني، وقف الهجرة غير الشرعية التي تعبر من جنوب الصحراء لجنوب أوروبا مروراً بليبيا. الجانب الأمريكي وإن كان يحذر القوى الأخرى من الاقتراب من ليبيا، فهو لا يخفي وجوده الملموس منذ سنوات عبر الضربات الانتقائية لمواقع معينة واستخدام الطائرات بدون طيار، علاوة على الوجود الملحوظ في المياه الاقليمية الليبية.الوجود العسكري السوفيتي في ليبيا إن صح وهو محتمل لدى أكثر من مراقب، رغم نفي الروس انفسهم، فمن المؤكد أنه يدخل البلاد الليبية في دوامة جديدة. واللافت أن الحديث حول هذا الأمر بدأ يتصاعد منذ يناير 2017 بعد اللقاء المعروف لقائد قوات الجيش الليبية خليفة حفتر، بعسكريين روس وعقد اتصالات مع وزير الدفاع الروسي، كما ان هذه التحذيرات تأتي بعد زيارة رئيس حكومة الوفاق السيد فايز السراج إلى موسكو، أواخر شهر فبراير 2017.ومع عدم النجاح الذي صاحب آخر محاولات اقليمية في القاهرة قبل اشهر في جمع ابرز الاطراف الليبية في لقاء واحد، السيد خليفة حفتر، والسيد فايز السراج، والسيد عقيلة صالح. أصبح وجود القوات الدولية الأجنبية والحديث عنه في ليبيا أمرا مألوفا، ولعل اخر مناشدات المجلس الرئاسي في حكومة الوفاق الاخيرة حول طلب معونة من الامم المتحدة في وقف هذه التدخلات يكشف جانبا مروعا من حقيقة، وطبيعة الأوضاع على الارض الليبية. الفراغ في أي بلد، وفي بعض البلدان العربية على وجه الخصوص منذ 2011م يمكن ان يولد مثل هذه الحالات غير المألوفة في علاقات الدول، ولن تتجاوز هذه البلدان الاختلالات الناشئة عن أنواع الفراغ إلا بعمل صعب، وجاد يشارك فيه الناس جميعاً. الحديث عن الفراغ أو الفراغات، في التجربة الليبية في بناء دولة، قديم وربما يعدو إلى ايام استقلال البلاد الليبية في العام 1951م حيث تنقل المصادر التاريخية أن الحبيب بورقيبة الرئيس التونسي الاسبق، بعث في العام 1969م رسالة إلى الملك الليبي السابق ادريس السنوسي، يحذره فيها من انقلاب الأول من سبتمبر 1969 الذي جاء بالعقيد القذافي إلى السلطة، وفي نفس الوقت يوصي الملك ادريس بأن يعمل على حل ما سماها الفراغات الثلاثة، في بلاده وهي الفراغ الديموغرافي، والفراغ السياسي، والفراغ الثقافي.