خليل الفزيع

الواقع وعبثية التنظير

عندما يئن المجتمع أي مجتمع تحت وطأة مشاكله العديدة، فهذا يعني وجوب المسارعة لإيجاد العلاج لهذه المشاكل أو ما هو قابل للعلاج منها، أما ما استعصى منها فهو في الغالب بحاجة إلى وقت أكبر وعلاج أكثر فاعلية، وفي الحالتين ثمة خطوات عملية تحد أو تقلل من أخطار هذه المشاكل، بمعنى أن التنظير لحظة البحث عن العلاج لا يجدي، لأن معظم المنظرين يكتفون بأداء أعمالهم من وراء مكاتبهم الأنيقة، وربما لو خرجوا من قمقم التنظير الذي وضعوا أنفسهم فيه.. ليعايشوا الواقع ويعرفوا خباياه، لاكتشفوا أن هذا الواقع في ناحية، ونظرياتهم في ناحية أخرى وكثيرة هي النظريات التي لا ترى النور، بل تحفظ في الأدراج لأنها بعيدة عن الواقع. ولقائل أن يقول: إن هذا يتعارض مع الجهود التي يبذلها المنظرون للوصول إلى نتائج تقدم للمتلقي، وهذا أيضا يؤدي إلى سؤال آخر عن وجود مراكز البحث العلمي التي يمكن أن يستعين بها هؤلاء المنظرون لاستخلاص نتائج بحثهم على المستوى النظري، وعلى كل حال ليس هؤلاء هم المشكلة، بل المشكلة هم الذين يكتفون بالتنظير، بعيدا عن أي مقياس علمي يرتبط بالواقع، عندما يقدمون نظريات هي حصيلة اجتهادات شخصية لا ترقى إلى مستوى نتائج البحث العلمي المتأني والرزين. فالنظريات الانفعالية - إن صح التعبير ـ ربما أدت إلى كوارث غير متوقعة، وهو الأمر الذي يدعو إلى التخلي عن كل تنظير لا يتأثر بالواقع أو يؤثر فيه إيجاباً لا سلباً. هذا النوع من التنظير العاطفي أو المرتجل أو الانفعالي هو نوع من العبث الذي قد يؤخر المجتمع ولا يسهم في تحرك مياهه الراكدة، ودائما ما يكون الكلام النظري أسهل من التطبيق العملي، مما يعني أن المجتمع تزداد حاجته إلى المنجزات العملية؛ لمجابهة النظريات العبثية التي تطرح في الندوات والمؤتمرات وجلسات العمل، أو تمتلئ بها أعمدة الصحف وتؤلف فيها الكتب، حيت تتردد أحيانا كلمة الإصلاح، وفي هذا الإطار تقدم كثير من الحلول الجميلة، لكن جمالها يقتصر على طرحها ولا يصل إلى إمكانيات تنفيذها، وهي في هذه الحالة لا تعدو أن تكون كلاما في كلام، لا يلبت أن يتبخر، لأنه استمد مشروعيته من خلو الساحة من التنظير العلمي السليم. والمشكلة الأكثر تعقيدا أن هؤلاء المنظرين يعتقدون أن لا أحد يمكن أن يأتي بما أتوا به من نظريات يظنون أن لهم السبق في طرحها، وهم أكثر ابتعادا من غيرهم عن مشاكل المجتمع التي لا تحل في الأبراج العاجية، ولكن في الاقتراب منها على أرض الواقع، والحقيقة الثابتة أن المجتمع لا يريد نظريات لحل مشاكله، بل يريد حلولا عملية لهذه المشاكل. وليس بالنظريات وحدها يتقدم المجتمع.