د. فالح العجمي

فوبيا الرأي المتفرد والاستقلالية «1»

طبعاً يسمع كثير من القراء عبارات مثل: «وش يبي ذا؟»، ويدركون أن هذه العبارة ليست على فهمها في المستوى الأولي، الذي يسأل المرء فيه عن مراد شخص ما بالصورة البسيطة؛ بل هو سؤال يقصد به غالباً السخرية من أحد، بدرت منه أقوال أو أفعال مغايرة للمعتاد، وربما خرجت عن القوالب الدارجة في عرف الناس، ومنهم ذلك المتسائل عن مراد صاحب القول أو الفعل بغرض استهجانها. وعندما نحلل سلوك أولئك الناس، الذين يسعون إلى مصادرة آراء الآخرين، وحقهم في التفرد وفي الانعتاق من القوالب المؤطرة، التي يريد أولئك المسكونون بالنموذج الواحد والصيغة الثابتة والنسخ المتشابهة أن يلزموا الآخرين بها، ويعدّوهم غرباء، إن لم يلتزموا بهذه الخطوط المرسومة. ومع ضعف قدرات التصور لدى عدد كبير من العامة، خاصة من ينزع منهم إلى صنع الترادف بين القديم والسائد من جهة، وما يقابله من جوانب الصحة والاستقامة والنقاء (نقاء المصدر لأنه موجود عند الأسلاف من قبل)؛ يظن كثير من أولئك العوام أن الخروج عن النسق يعني الضياع والانهيار وتحلل القيم. وهو النموذج الذي سماه عالم النفس الشهير غوستاف لوبون «قيادة إرادة الجماهير» لذوي الرؤى المزعزعة، ومن يفتقدون الثقة في أنفسهم وفي مبادئهم. ومع بالغ الأسف أن هؤلاء المؤطِرين (بكسر الطاء)، وهم كانوا قبل ذلك مؤطَرين (بفتح الطاء)، ليسوا بالضرورة أن يكونوا من ذوي التوجه التقليدي فحسب، بل تنضم إليهم زرافات من كافة الشرائح، التي ساقتها ثقافة «الموت مع الجماعة رحمة»، و«الذئب يأكل من الغنم القاصية»، ومثل تلك المقولات التي زرعت عندنا فوبيا من «التفرد في الرأي» أو «الاستقلال في اتخاذ أي قرار». ومن المؤكد أن عدداً كبيراً من الناس لدينا يكبتون رغباتهم، ويخفون آراءهم عند غير الخاصة، ويصانعون كثيراً في سبيل أن يُقبلوا في تلك المنظومة، التي ترفض أن توجد فيها تفريعات للرغبات المختلفة، والأفعال المتعددة ذات الخلفيات المتباينة. وإذا ناقشت أحدهم، كيف ترضى أن تعيش باستمرار بوجهين أو أكثر؟ رد عليك الرد التقليدي البعيد عن التفكير بعقل، قائلاً: وش تسوي؟ هذا المجتمع ما تقدر تصادمه! وكأن اتخاذ خط في الحياة يختلف عن طرق تفكير العامة يعدّ خروجاً عن القيم، أو مصادمة للمجتمع. كما أن بعض المداهنين يعممون حالة الانصياع للقوالب حتى في حالة تربية الأولاد وطريقة بناء المنزل، وكذلك في أمور الخروج للنزهة أو السفر في الإجازات، وغيرها من الأمور التي يخشى أن يقال عنه خلافاً للمعهود. ففي حالات ليست قليلة يسعى بعض المصابين بتلك الفوبيا إلى محاولات إرضاء أصحاب الألسنة الطويلة في أسرهم، لكيلا يقال عنهم أي حكاية سلبية، ويحاولون التملق وإظهار خلاف ما يضمرون، من أجل أن يقال عنهم إنهم «سنعين» (وهو مصطلح يعني الموافقة الشاملة لتلك القوالب). بل إن الظاهرة قد تمددت إلى طرق الحوار، وإخبار الآخرين ببعض جزئيات الأمور، حتى وإن لم يكونوا من الأصحاب أو ذوي العلاقة الخاصة بعبارات مثل: «بيني وبينك...»، وربما جرت هذه الأساليب في محاضرة عامة يشهدها عدد كبير من الناس أو في مقابلة إذاعية أو تلفزيونية، لن يكون الأمر فيها بالطبع بين القائل ومحادثه. وفي الجزء الثاني سنحلل بعض آثار هذه الظاهرة.