الكتاب الأبيض ومستقبل أوروبا
أكتب هذا الأسبوع من بروكسل، حيث يدور نقاش طويل حول الكتاب الأبيض الذي طرحه رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر ظهر الأربعاء (1 مارس) أمام البرلمان حول مستقبل أوروبا. وهو عبارة عن وثيقة حول مشاريع إصلاحية دستورية تهدف إلى تمتين العلاقة والوحدة الأوروبية، خاصة بعد خروج بريطانيا من الاتحاد. وقد جاء في 32 صفحة وشمل ملاحق متضمنة خمسة سيناريوهات، سوف تطرح على قادة الاتحاد الأوروبي لدراستها في قمته المقبلة في روما المزمع عقدها في 25 مارس، بمناسبة الذكرى الستين لمعاهدة روما التي مثلت أساس بناء الاتحاد الأوروبي عام 1957. وتتركز السيناريوهات الخمسة في «اعتماد جدول للإصلاح» كأول سيناريو، ويقصد به الاستمرار في المسار الحالي مع تغيرات طفيفة، ويعتمد هذا الخيار - حسب الوثيقة - على موافقة حكومات الدول الأعضاء «على تعميق السوق الموحدة للاتحاد الأوروبي، وتجميع بعض القدرات العسكرية والتحدث بصوت واحد في الشؤون الخارجية»، في حين يترك معظم القضايا الأخرى مثل التحكم في الحدود في أيدي الدول الأعضاء.ما يؤخذ على هذا السيناريو- حسب الوثيقة- ان المشاكل المستقبلية لمنطقة الشنغن إذا لم يتم الاتفاق على التغييرات في إدارتها والتحسين المستمر في إدارة الحدود لمواكبة التحديات الجديدة قد يرغب بعض الدول في الحفاظ على الضوابط الداخلية المستهدفة. أما السيناريو الثاني: فيركز على بناء «سوق موحدة» تحظى بدعم واسع النطاق باعتبار أن الدول الأعضاء الـ 27 ليست قادرة على إيجاد أرضية مشتركة بشأن عدد متزايد من مجالات السياسة العامة. وما يؤخذ على هذا السيناريو- حسب الوثيقة- أن عملية اتخاذ القرارات ستكون «أبسط.. ولكن القدرة على العمل بشكل جماعي ستكون محدودة»، وهذا قد «يوسع الفجوة بين التوقعات والتنفيذ على كافة المستويات». والسيناريو الثالث: يدعو الدول الأعضاء لبذل المزيد من الجهد معا في مجالات محددة مثل: الدفاع والأمن الداخلي والشؤون الاجتماعية، وكما يسميها يونكر اندماج على أساس «تحالف الراغبين». سوف يسمح هذا الخيار- حسب الوثيقة- للجيوش الوطنية، التي لديها علاقات وثيقة بالتحرك بسرعة في مجالات جديدة، مثل: عمليات المراقبة باستخدام الطائرات بدون طيار أو قد يسمح بوجود اقتصادات متحدة واستحداث قانون تجاري موحد، إلا ان ما يؤخذ على هذا السيناريو- حسب الوثيقة- أنه قد يؤدي إلى اختلافات في حقوق المواطنين ولا تبدي الوثيقة تفاؤلًا بشأن اكتمال إقامة الحكم الاقتصادي في منطقة اليورو. أما السيناريو الرابع: فيدعو الدول الى بذل جهد أقل بشكل أكثر كفاءة، بمعنى التركيز على معالجة أفضل لأولويات معينة بشكل تعاوني، أي بذل الكثير من الجهد في عدد محدود من المناطق. ووفق الوثيقة فان هناك مشكلة رئيسة في هذا السيناريو، وهي انه «يعتمد على اتفاق دول الاتحاد الأوروبي فيما بينها على المناطق التي يريدون أن يتعاونوا فيها بشكل أكثر كفاءة». أما السيناريو الخامس: فيتضمن بذل المزيد من الجهد بشكل تعاوني، بمعنى أن يتم التركيز فيه على خيار دعم تقاسم السلطة والموارد، ووفق هذا السيناريو «سيحصل الاتحاد الأوروبي على المزيد من «موارده الذاتية» (القدرة على زيادة الإيرادات من خلال الضرائب)، وسيتم الانتهاء من منطقة اليورو على غرار تقرير الرؤساء الخمسة الذي صدر عام 2015». وبالتالي فان الاتحاد الأوروبي ستكون لديه صلاحيات للتحدث نيابة عن كل الدول الأعضاء حول التجارة والسياسة الخارجية، وسيتولى القيادة العالمية لمكافحة تغير المناخ والقضايا الإنسانية». ستكون عملية صناعة القرار في بروكسل (مقر الاتحاد الأوروبي) مميزة وسريعة، لكن الوثيقة تعترف بأنه سيكون هناك «خطر استعداء قطاعات المجتمع التي تشعر بأن الاتحاد الأوروبي يفتقر إلى الشرعية».أخيرا: أرى ان ما يؤخذ على هذه السيناريوهات الخمسة انها جميعا قدمت خيارات ولم ترجح خيارا افضل تتمسك به وتدافع عنه.الأمر الثاني: ربما تواجه هذه السيناريوهات مقاومة من بعض الدول في أوروبا الشرقية التي تخشى من أن يتم استبعادها من الدول الغربية القوية كفرنسا وألمانيا، خاصة في قضايا مثل الهجرة التي تبنت دول أوروبا الشرقية موقفا اكثر تشددا تجاهها. الأمر الثالث: انه رغم اشادة كل من المانيا وفرنسا بوثيقة يونكر إلا ان هذه الوثيقة تأتي قبل فترة قصيرة من الانتخابات في هولندا وفرنسا وألمانيا التي ترجح استطلاعات الرأي وصول الأحزاب اليمينية المتطفة الى السلطة التي تتشابه خطاباتها في أنها ضد الوحدة الأوروبية، وتدعو الى العودة للدولة القومية، ومراقبة الحدود، وإنهاء سياسة استقبال اللاجئين، التي تمثل نسفاً لكل سيناريوهات يونكر.