ضمير العالم بين الإنسان والحيوان!
عادت الصحف الغربية وحتى العربية تهتم بقضية الانتحار الجماعي للحيتان والتي حدثت مؤخرا على شواطئ نيوزلندا. المئات منها تناثرت على الشواطئ الرملية في مشهد مثير للدهشة والتساؤلات. وهو مشهد يتكرر في كل فترة من الزمن، وإلى الآن لم يعرف السبب وراء ذلك.البعض يقول: إنه بسبب انتشار مرض معين بينها، والبعض الآخر يعتقد أن التغيير في المناخ البحري والتلوث البيئي عموما هو السبب الرئيسي. وهناك من يظن أنه كان بسبب محاولة الهروب من أسماك القرش الفتاكة. وأعتقد أن التلوث البيئي البحري (والذي تسبب فيه الإنسان بنهمه الشديد في الاستهلاك) هو من الأسباب لتلك الموجة من الانتحار الغامض على تلك الشواطئ الناعمة.وأيا ما كان السبب فقد اهتم المجتمع بالقضية وأصبح حدثا تتناقله وسائل الإعلام بحثا وتقصيا للمشكلة وأسبابها. ولعل البعض منا اطلع على ما تناقلته تلك الوسائل من أخبار وصور عن هذا الموضوع. ولقد رأيت صورا لأشخاص قد اصطفوا ممسكين بأيدي بعضهم البعض (علامة التعاون والتلاحم) ومشكلين بأجسامهم البشرية ما يشبه السياج أو السور لحماية الحيتان من الانزلاق أكثر نحو اليابسة. وكأن الحيتان حين تفكر بالانتحار ستمنعها هذه الأجساد البشرية الضعيفة مقارنة بحجم الحيتان الضخمة، ولكنها محاولة في إنقاذ ما يمكن إنقاذه. وأما البعض الآخر فقد ظل طوال الليل والنهار يسكب الماء عليهم من أجل المحافظة على أجسام الحيتان من الجفاف. وبعد كل هذه المحاولات فقد استطاعوا إنقاذ البعض منها، ولكن الأغلبية ماتت. والغريب المتناقض أن الإنسان هو السبب الرئيسي في تلوث البيئة، وهو أيضا من يحاول الإنقاذ!!لا شك أن هذا العمل إنساني ونبيل، وديننا الحنيف حث على الرأفة بالحيوان في كثير من الأحاديث. فقد جاء الحديث: كنا مع رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم في سفر، فانطلق لحاجته، فرأينا حمرة معها فرخان فأخذنا فرخيها، فجاءت الحمرة فجعلت تفرش فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «من فجع هذه بولدها ردوا ولدها إليها». ورأى قرية نمل قد حرقناها فقال: «من حرق هذه؟» قلنا نحن قال: «إنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا رب النار».قد يكون مشهد الانتحار للحيتان مشهدا عاطفيا لدى البعض، فتهافتوا إليه زرافات ووحدانا، ولكن وددت لو أن هؤلاء أثروا انتباه العالم لشيء أكثر أهمية، وهي معاناة بني البشر في مختلف أنحاء العالم وخصوصا في قارة آسيا وأفريقيا والتي تعاني الكثير من القتل والحروب والفقر والتشريد والجوع والأمراض مقارنة بباقي القارات. وللأسف أيضا أن هذه المصائب منتشرة بكثرة في بلاد العرب والمسلمين. فهل هي صدفة أو هي صدفة مدروسة؟ اترك الجواب لكم.قد يزعم البعض أن هناك منهم من يهتم بقضايا الإنسان وحقوقه، والجواب أن قيام البعض بذلك لا يكفي، بل لا بد من صوت الأغلبية حتى تصبح القضية مسموعة ومرئية ومؤثرة إعلاميا. وما زلت أستغرب مع التقدم المذهل في عالم الاتصالات ووسائل التواصل الاجتماعي ألا تصل لهم أخبار العالم ومعاناة الإنسان مآسيه، أم أن معاناة الحيتان أهم من الإنسان؟!. (نحن لا نقلل من شأن الحماية على البيئة والحيوانات).ولو عدنا للوراء قليلا، فعندما كانت هناك عنصرية مقيتة في جنوب أفريقيا وغيرها من مناطق العالم، انتشرت على إثرها مظاهرات عالمية متواصلة بلا كلل ولا ملل، وامتدت إلى الكثير من المدن والعواصم الأوروبية والأمريكية تطالب برفع الظلم والمساواة في التعامل والحقوق بين البشر بدون تمييز عرقي. وأصبحت أفعالا بعد أن كانت أقوالا، حيث بدأت موجة من المقاطعات الكبيرة للمنتجات والبضائع الصادرة من البلاد التي انتشرت فيها العنصرية. كل ذلك من أجل سماع صوت العدل والمساواة. وقد أفلحت تلك المناشدات والمحاولات لو بعد حين في انتصار الحق والضمير العالمي. فأين هو ذلك الضمير العالمي من القضايا والفواجع والحروب التي تعصف من كل جانب وصوب بالشرق الأوسط الدامي.ولعل الدرس من هذه المسألة هو اصنع من قضاياك حدثا إعلاميا مهما، واجعل له مشهدا دراماتيكيا عاطفيا جذابا، وسوف تحصل على الانتباه لقضاياك المهمة والمصيرية. اليوم أصبح الإعلام والصور والمقاطع المرئية ووسائل التواصل الاجتماعي لها تأثير قوي وفعال في صناعة القرارات أكثر من الحجج المنطقية والعقلية!.