محمد الصويغ

المشاغل والتسعيرات وتوزيع الخدمات

أقف عبر هذه العجالة أمام محطات ثلاث لتسليط الضوء عليها تتعلق الأولى بمشاغل السيدات، وهذه المشاغل أضحت أكثر من الهم على القلب، فليس بمستغرب اكتشاف عشرات المشاغل في الحي الواحد، وربما خمسة مشاغل في الشارع الواحد، ولست أتحدث هنا عن منطقة بعينها أو محافظة بعينها أو مدينة بعينها، فهذه ظاهرة ملحوظة في سائر مناطق ومحافظات ومدن المملكة دون استثناء ويمكن للجميع ان يتأكدوا منها في تجوالهم .تلك المشاغل كما هو معروف متخصصة في جوانب عديدة لتجميل النساء مثل ممارسة الأصباغ وتنظيف الأرجل والأيدي وفرد الشعر وصنع التسريحات على كافة أشكالها وما يتعلق بالمكياج، ولست أفقه بقية الأنشطة التي تقوم بها تلك المشاغل، غير أنني أقف هنا أمام تسعيرات تلك الأنشطة، فهي متفاوتة بين مشغل ومشغل، ولست أدرى ما الأسباب الكامنة وراء هذا التفاوت؟، ويبدو الفارق كبيرا بين أسعار تلك المشاغل بشكل واضح وملحوظ ومثير للدهشة وربما التساؤل. أضرب مثالا بصبغ الشعر فسعره في مشغل قد لا يتجاوز خمسين ريالا، وفي مشغل مائة ريال بينما سعره في مشغل آخر يتجاوز المائتين، وهذا الفارق في الأسعار ينسحب على كل الأنشطة التي تمارسها تلك المشاغل، فالفوارق بينها كبيرة، وأعتقد أن تسعيرات تلك الأنشطة من قبل الجهة المختصة التي منحت تلك المشاغل تراخيص مزاولة تلك المهن أضحت ضرورة وملحة سواء في أيام الذروة، وأقصد بها أيام العطل الأسبوعية حيث كثرة المناسبات، أو غيرها من أيام الأسبوع ولا أدري هل يمكن ذلك ام لا.المحطة الثانية التي أود التوقف عندها هي اختلاف أسعار المواد الغذائية في سائر البقالات ما صغر منها أو كبر، وهو اختلاف لا أجد له تفسيرا أو سببا، ومن المفترض أن لا تبقى اختلافات الأسعار خاضعة لنظرية العرض والطلب، بل يجب أن تخضع لهوامش الربح المعقولة العائدة للتجار، فلا يعقل أن تباع علبة حليب النيدو على سبيل المثال لا الحصر في متجر بعشرين ريالا بينما هي في متجر آخر بأربعين ريالا، وقس علي ذلك الكثير من المواد الغذائية أو غيرها. هذا الاختلاف في الأسعار قد لا يلحظه المستهلك، فهمه يتمثل في تأمين احتياجات عائلته من الأغذية دون النظر الى التسعيرة، فمعظم المستهلكين يجهلون تسعيرات المواد الغذائية ويظنون عن طريق الخطأ لا الصواب أنها موحدة في سائر المحلات التجارية المتخصصة ببيع المواد الغذائية، وأكاد أقرن هذا الاختلاف بالغش التجاري ان صح القول أو التشبيه، وتحديد الأسعار على العلب الغذائية مفقود في معظم تلك المحلات وأيضا تاريخ انتهاء السلعة الذي نراه احيانا مطموسا او غير واضح .أظن أن الجهة المختصة بحماية المستهلك لا بد أن تتحرك لتفعل شيئا حيال هذا التباين الواضح في أسعار المواد الغذائية، وأن تفرض الهوامش الربحية المعقولة على كل سلعة غذائية بحيث لا تضر تلك الهوامش بالتجار ولا تضر بالمستهلكين، أما أن يبقى الحال على ما هو عليه فهذا خطأ يتضرر منه المستهلكون أولا وأخيرا، لاسيما أصحاب الدخول المحدودة حيث يستنزف غلاء تلك المواد رواتبهم في مطلع كل شهر.أما المحطة الثالثة والأخيرة فهي تكدس دكاكين الخدمات المزجاة للمواطنين والمقيمين بشكل ملحوظ في حي وافتقار أحياء أخرى لتلك الخدمات، وأقصد بها على سبيل المثال محلات الحلاقين والجزارين ومحلات التبريد والسباكة والكهرباء والخياطين ونحوها، فبعض الأحياء السكنية تتكدس فيها واحدة من هذه الخدمات أو أكثر بينما تفتقر أحياء أخرى لمثل تلك الخدمات فهل هناك من جهة مسؤولة عن ذلك؟ وهل هي تتدخل في هذا التوزيع؟.أضرب مثالا بمحلات الجزارة، فقد يوجد في حي واحد أكثر من جزار لبيع اللحوم بمختلف أصنافها ومسمياتها، وقد يفتش المستهلك عن جزار واحد في حي آخر فلا يجد له أثرا، ويفترض أن توزع تلك الخدمات بتساو بين كافة الأحياء السكنية، وهذا التوزيع منوط بالجهات التي تمنح التراخيص لتلك الأنشطة، فاذا ارتأت تلك الجهات كفاية هذا الحي من خدمة معينة فيجب ايقاف ترخيصها في الحي ذاته ليطالب المستثمر بانشاء مشروعه في حي آخر يفتقر الى هذه الخدمة أو تلك.وهذه مهمة لابد أن تتحملها الجهات المسؤولة عن منح التراخيص للمستثمرين. فتكدس خدمات بعينها في حي واحد وحرمان بقية الأحياء السكنية منها لا يبدو منطقيا، وهو حرمان يجشم المواطنين والمقيمين عناء البحث عن تلك الخدمات في أحياء سكنية لا يقطنون فيها، وهو بحث يستنزف أوقاتهم، فلو وزعت تلك الخدمات توزيعا مدروسا لاستفاد منها الجميع بدلا من قصرها على حي واحد أو اثنين.ولست هنا بصدد ذكر الأحياء في مدينة بعينها من تلك التي تفتقر لوجود مثل تلك الخدمات فهي كثيرة على أي حال، ويمكن لأي جهة أن تحصي تلك الخدمات في أحياء غنية بها وأخرى مفتقرة اليها ليبدو التوزيع المقترح منطقيا وعقلانيا.والتوزيع بطريقة مدروسة سوف يؤدي الى خدمات أفضل للمواطنين والمقيمين، وهو توزيع لابد منه حتى يستفيد الجميع من تلك الخدمات المزجاة لهم، ويفترض أن تنتشر في سائر المدن دون استثناء ولا يكون التركيز على اقامتها وانشائها في مدن بعينها، وهو أمر لا أشك في أن الجهات المسؤولة سوف توليه عناية خاصة وتقوم بدراسته لاستكمال اجراءات التوزيع بطريقة سليمة وصحيحة.