فهد السلمان

المعلوماتية وهندسة الجهل

كانوا يقولون: (الإنسان عدو ما يجهل)، وهي عداوة تقتصر على ما هو خارج المدركات الثقافية للإنسان، لكن، وفي زمن تدفق المعلومات الهائل أصبحت المعلومة المضللة هي ألدّ أعداء الإنسان. في زمن «قوقل» بوصفه أحد أهمّ محركات البحث أصبح الوصول للمعلومة أمرًا مشاعًا للجميع، صار بوسع كل من يفك الحرف أن يعطي «قوقل» طرفًا من السؤال الذي يبحث عن إجابته، ليجد أمامه آلاف الإجابات التي تروي نهمه، لكن السؤال: ما هو حجم الدقة، والبعد عن الهوى في تلك الإجابات المشاعة؟، خاصة مع القارئ العادي الذي لا يمتلك ما يكفي من الحصانات الثقافية التي تقيه شر الوقوع في الإجابات المضللة التي تقدم الشيء ونقيضه. أنا على يقين أن إدارة موقع عملاق بهذا الحجم قد تنظر للأمر في إطار كفالة حرية التعبير التي تعدّ القيمة الأسمى في الغرب، غير أن ما يثير التوجس هو أن هذا السخاء في إتاحة نشر كل ما هب ودب، ليس بالضرورة أن يكون كله انسجامًا مع قيم حرية التعبير، خاصة بعدما بدأتْ بعض التقارير الغربية مؤخرا تتحدث عمّا يسمى (هندسة الجهل) مقابل إدارة الفهم التي استخدمتها السلطات الأمريكية في وقت مبكر لغرض توجيه الرأي العام بشكل غير مباشر عبر التدخل في بناء المعلومات بما يوجه التفكير الجماعي إلى الاتجاه المطلوب، وهندسة الجهل التي تشكل البعد التراكمي لإدارة الفهم، لا تزال تستخدمها بعض الشركات الكبرى لإثارة الشكوك حول أضرار منتجاتها، أو اعطاء معلومات متناقضة عنها بغية اللعب على وتر الشك والريبة لدى المستهلك لصالح الطعن في تقارير الأضرار، فمثلا لو طلبت من قوقل أضرار القهوة لوجدت الكثير من المواقع التي تضعها في مرتبة السم الزعاف، في مقابل أخرى تحدثك عن خصالها الغذائية أو العلاجية. هذا التضليل في تقديري هو أحد بنود هندسة الجهل، حيث أصبحت إثارة الشكوك حول بعض المعلومات أجدى من حجب المعلومة ذاتها في زمن تدفق المعلومات، وهذه أخطر أسلحة العصر الجديد الذي بات يشتغل على رصف طرقات التجهيل تحت عناوين مشاعة المعلوماتية ليعبر إلى ما يريد ببرمجة أذهان العامة وتشفيرها إن اقتضى الأمر.