د. سمية السليمان

الفشل حليف الابتكار

مقال الأسبوع الماضي عن الابتكار المؤسسي أثار بعض الأسئلة والنقاش وكونه موضوعا كبيرا متشعبا رأيت أن أعطي الابتكار مساحة أوسع للطرح. إن بداية الابتكار تأتي من وجود مشكلة أو حاجة لم تلب بعد. ولعل هذه أول الأسباب التي يقل بسببها الابتكار وهي أننا لا نعترف بالمشاكل التي نواجهها في العمل؛ لأنه مهما كان الوضع سيئا والكل متفق على ذلك إلا أن الاعتراف بذلك علنا يعتبر نقطة ضعف وسببا للحرج وإحداثا لبلبلة نحن في غنى عنها لذلك قد نجده من السهل أن نستمر بالطيران تحت الرادار كما يقال، أو إن أردنا تشبيها أجل تقنية ليتماشى مع حالنا فنترك الأمور «على طمام المرحوم». وفي موسم التقارير السنوية مثلا كم نرى من القصور والاخفاقات تختبئ داخل لغة مزركشة أو جداول يصعب قراءتها. عزاؤنا في ذلك أن الكثير من التقارير لا تقرأ بل تجمع الغبار على رف المسؤول. فهي بذلك ليست فقط هدرا للوقت بل أيضا للمال والورق. بدل أن تكون أداة صريحة تساعدنا في قياس الأداء وتشخيص المعوقات كما هو هدفها تصبح تمرينا في تلوين السلبي بلون إيجابي وتضخيم الإنجازات. عندما تواجه مؤسسة مشكلة ما نجدها تكلف استشاريا لدراسة تلك المشكلة. قد تكون هذه الدراسة مسحية واسعة وإن كانت جيدة تعطينا صورة واضحة عن الوضع الراهن للمشكلة مع محاولة للتعرف على المتغيرات التي تؤثر أو تتأثر بالمشكلة. وأخيرا قد تصل إلى توصيات قد يصعب تطبيقها وقد لا تكون مضمونة لحل المشكلة. يختفي الاستشاري وتترك المشكلة على أن حلها فشل وبذلك تنتهي القصة. طريقة أخرى وأكثر سهولة للنظر إلى المشكلة هو عكس المنهجية السابقة بالبحث عما ينجح عندما يكون من المتوقع أن يفشل. فعلى سبيل المثال إن أردنا أن نجد حلا لمشكلة مثل عودة خريجي السجون للجريمة مثلا يكون من الصعب حصر جميع المتغيرات وإيجاد العلاقات المسببة في بيئة معقدة ومتغيرة. عكس ذلك قد يكون النظر لمن خرج من السجن دون الرجوع للجريمة ودراسة العوامل المؤثرة عن كثب. فبالتدقيق في الجانب الإيجابي عندما نسلم بالسلبي تنفتح لنا احتمالات جديدة لم تكن متوقعة. وهذه أحد أساليب المُبتكِر الذي لا يدقق فقط في نطاق ضيق بل يحافظ أيضا على رؤية محيطية تمكنه من ربط أمور لم تكن مربوطة مسبقا باستخدام شيء جديد قد يكون تقنيا أو تنظيميا أو غيره. البيئات التي يكثر بها الابتكار هي تلك التي تجمع بين الأبحاث والتقنية وريادة الأعمال في منظومة متكاملة. فنتاج الأبحاث قد يوظف تقنيا ويسوق لتكتمل دائرة الحياة ويكون مجديا، ولذلك نجد الجامعات وبعض الشركات المصنعة التي بها أقسام أبحاث وتطوير (R & D: research and development) هي أكثر البيئات ابتكارا في حال لم تكن أبحاثها حبيسة الورق بل وظفت واستغلت لنيل كامل الفائدة. فالابتكار يزهو في نظام بيئي متكامل. يحاول الكثيرون إيجاد المعادلة الرابحة للابتكار إلا أنه لا توجد معادلة موحدة كما يؤكد تقرير مؤشر الابتكار العالمي للعام ٢٠١٦ (Global Innovation Index). وإن كان من الصعب تحديد مؤشرات نجاح الابتكار بشكل دقيق يمكننا على الأقل أن نحسن الظروف داخل المؤسسات لنجعل للابتكار فرصة في العيش وقد يكون أهم هذا التغيير المطلوب هو إعادة النظر في الفشل. فالفشل ليس عدو الابتكار كما يعتقد بل هو حليفه، وإن فهمنا هذه الحقيقة فهما جيدا استطعنا أن نقترب خطوة في الطريق الصحيح. بدلا من انتهاء الدراسات بالفشل يجب أن نتعلم من الفشل ونفهم أسبابه لنقترب من الحل. فالفشل على أنه ذو صبغة سلبية هو في الواقع فرصة تعلم وهذا بحد ذاته إيجابي. ثقافة تقبل الفشل والتعلم المستمر من خلال التجارب هي ما نحتاجه وهذا يتطلب تغييرا كاملا في كيف تدار المؤسسات وكيف تقيس الأداء وتضع الأهداف ومعايير النجاح.